عن المديح الأعمى لنصوص المبدعات العربيات

شــاكر لعـيـبـي

 

في الشهرين الأخيرين كنت بصدد استجواب مجموعة من الكاتبات والشاعرات العربيات عن مشكلة النقد المكتوب عن أعمالهن. كانت لدينا بالطبع مجموعة كبيرة من الأسماء لأهم الكاتبات العربيات في الشعر والقصة، لكننا، من أجل تفعيل الحوار وإدامته لأطول وقت ممكن، كنا نود الإستـئناس برأي واقتراحات زميلاتنا في مهنة الكتابة بصدد أسماء أخرى من اليمن ومصر والسعودية والخليج والمغرب والعراق. وكنا نقترح أن تزودنا الكاتبات، بانتظار ردودهن على السؤال المقترح، بسيرة ذاتية مقتضبة وبصورة فوتغرافية شخصية لكي نستطيع نشر التحقيق بالشكل المطلوب في إحدى الجرائد العربية الأساسية، ويُصار لاحقاً إلى إدراجه في إحدى صفحات الأنترنيت. وكان السؤال طويلا بعض الشيء وتحليلياً وليس مجرد سؤال قصير عام عريض لا معنى له، وذلك بهدف إعطاء ما لله لله وما لعبد الله لعبد الله

 

وكنا نقول في السؤال بأننا: نرى في المشهد الثقافي العربي، أبان العشر سنوات الأخيرة، بروزاً لافتاً لمجموعة من الكاتبات والشاعرات العربيات على طول وعرض العالم العربي، وهو دليل عافية من دون شك. البعض من نصوص كاتباتنا العربيات تمتلك قيمة جمالية لا شك فيها، والبعض منها متميز بفرادته الابداعية، لكن ربما لا يمتلك البعض الآخر منها مثل هذه القيمة. هاته الشاعرات والكاتبات كنَّ يجهدن في التعبير عن خلجات جديدة، روحية وجسدية، ويحاولن إظهار حساسية مختلفة في تعاطي العالم، لم يسمح لها الوسط الثقافي العربي، الذكوري والمنافق، بالنمو الطبيعي: أما مُبالغاً في امتداح بعضهن إلى درجة إشعارهنَّ (بالعبقرية) المبكرة وإسباغ سمات التفرد والتجاوز التي لا محل لها في الحقيقة من الإعراب. وأما مهووساً، لا بأقلامهنَّ، ولكن بحضورهن الفيزيقي في المهرجانات الشعرية والمناسبات الأدبية، لا لقيمة فعلية في نصوص (بعضهنَّ) ولكن، فحسب، من أجل جمال حضورهن وبهائه. وكنا نقول في السؤال أن النظر إلى هذه المحاولات الإبداعية قد جرى بمنظار نستطيع تسميه (بالاجتماعي) بسبب إقدام بعضهن على توصيف القمع الاجتماعي وتقديم سرد لما هو محرم عرفاً. أننا نعلم أن تقديم وصف جريء لذلك كله لا يكفي لخلق عمل ذي بنية جمالية. أننا نستشف من الأعمال النقدية المصاحبة لكتاباتهن موقف ثقافةٍ مندهشةٍ ومنذهلةٍ برؤية إقدام نسائها على الخوض في موضوعات ومجالات كانت لوقت قريب حكراً على الرجال لوحدهم. الكتابة النقدية التي رافقت صعودهن في الحقيقة هي في غالبيتها المطلقة من طبيعة سريعة وغير تحليلية، بل أنها تنطوي في كثير من الحالات على مدائح عالية الصوت لا تبررها الطبيعة الفنية للنصوص المكتوبة، حتى لكأننا في بعض الحالات أمام غزل متلبس بلبوس النقد الأدبي. رافق صعودهن كذلك ترجمات لبعض أعمالهن إلى اللغات الأجنبية من دون تمحيص كبير بل انطلاقاً من الانخطاف والتعجب من حضور الجنس الناعم على المسرح الأدبي، كأن النقد يندهش اندهاشاً بالغاً بخروج جارية عربية من خدرها إلى عالم الثقافة الفكر والأدب المكرس لعالم الرجال. مما ساهم في تكريس هذا النقد وتلك الترجمات صعود نجم (النسوية) وصيرورتها حتى اللحظة موضة في الثقافة العربية من دون الأساسات الموضوعية لحركة مثل هذه في مجتمعاتنا العربية، مثل الكثير من الأفكار التي تمر مروراً خاطفاً في ثقافتنا: (البنيوية) (الأجيال) (الإيروتيكية) وقبلها شعر المقاومة وشعراء الجنوب.. إلخ

السؤال الذي طرحناه بوضوح وبدقة كما نزعم كان التالي: ألا ينطوي المديح النقدي عالي الصوت لكاتباتنا ولشاعراتنا الناشئات، باسم (النسوية) وما إليها وليس باسم الإبداع، على تقديم صورة مضببة وليست من طبيعة الفكر النقدي التحليلي والعقلاني لشعرهن وقصصن ورواياتهن، ويساهم بالتالي في تكريس المزيد من الارتباك واللبس لديهن هنَّ أنفسهن مثلما لدى القاريء العادي ويشوه التطور الطبيعي لكاتبات أو مشروع كاتبات مجيدات ؟

 

هذا هو سؤالنا حرفياً تقريباً

المفاجأة الكبيرة التي أدهشتنا أن سيداتنا الفاضلات، وزميلاتنا، والبعض منهن تربطنا بهن أواصر الأخوة والمعرفة والمحبة، لم يجبن على السؤال، سوى ثلاث من بينهن، بينما تحججتْ شاعرة لبنانية بإقامتها في باريس أثناء الفترة التي سألناها فيها، وهو ما لم يكن البتة صحيحاً. وقلنا لماذا لا يردن الإجابة على سؤال قد ينير لنا مشكلاً نقدياً فعلياً ويدلنا على المخفي في طريقة القراءة والاستجابة للأثر المكتوب في العالم العربي

 

للإجابة على هذا الصمت من طرف كاتباتنا الموقرات، نتوقف أمام النقاط التالية

 

أولاً: أن تجاهل الإجابة على الفكرة الأساسية للسؤال تدل، في الغالب الأعم، على أن الفكرة صحيحة ودقيقة وبالتالي تثير الحرج والالتباس. وبدلاً من أن يرددن علينا بتهمة قلة البصيرة مثلاً والتحامل الجاهل على أعمالهن وحتى بتخلفنا بقراءة الواقع الأدبي والإبداعي والاجتماعي فإن صمتهن يصير رديفاً حقيقياً لما يعتمل فعلياً في زوايا و(هوامش) الثقافة العربية. إنهنَّ كنَّ يفضلن تأجيل الجواب وعدم إثارة مشكل يمسُّ، في نهاية المطاف، صلب حضورهن في الواقع الثقافي بأبعاده كلها، السلبية منها والإيجابية

 

ثانيا: أن صمتهن وتجاهلن لهذا السؤال يدل من بين ما يدل على أن سيداتنا الكاتبات الفاضلات لسنَ لحد الآن في موضع النقد الراديكالي للوضع الثقافي العربي (الذكوري) الذي يزعمن نقده، كما ننقده نحن معهن. ويبدو لنا الآن أن قولنا بانطواء النقد الرجالي السائد لأعمالهن على (غزلاً خفياً) كان موضع ارتياب شديد، لأنه قد يحوِّل الأنظار عما يعتقدنه الممارسة المبدعة لأقلامهن والقضايا الحاسمة لأفكارهن، يحوَّله إلى جانب بعيد، غير مرغوب بالنظر إليه من طرفهن. لكن هذا البعيد ظاهرياً هو ما يعتمل على ما يبدو بالفعل في كتابات الرجال المدّاحة خبط عشواء مرت كثيرة كما نرى في الصحافة وعلى الأنترنيت، لأعمالهن. على الأنترنيت خاصة وبشكل فج. هذا الغزل، في تقديرنا لا يقلل من شأن هذه الأعمال سوى أنه يتوجب فحصه بعين ثاقبة، وهو ما لم يردن القيام به

 

ثالثاً: أن المديح السهل، يبدو وكأنه يستجيب لحاجات سايكولوجية لديهن أكثر من استجابتهن للتحليل النقدي المتعمق لأعمالهن. وهذا الأمر يتعلق بتاريخ (قمع) المرأة العربية الطويل الذي يحتجن معه إلى ما يوطِّد ثقلهن الروحي وليس ما يمسه حتى لو كان صحيحاً. على أننا نظن أن النقد الجذري، للذات وللواقع، هو وحده الكفيل بتحقيق حضور فعلي، وليس هذه الألاعيب الكلامية المتشبهة بالنقد الأدبي التي لا تقول شيئاً ذا قيمة معرفية وجمالية. على النقد أن يتعامل مع سيداتنا الفاضلات الكاتبات بروح الندية الإبداعية، ما عدا ذلك فنحن في سياق آخر تماماً

ثمة عنصر سايكولوجي آخر تصعب البرهنة عليه يقع في الشك بنوايا السؤال. فمن الواضح أن استهلال البعض من الرجال لمداخلاتهم بمديح لغوي متحمس للنساء يمكن أن ينطوي على نية بسحب البساط من تحت أقدامهن والوصول إلى نتائج مخالفة تماماً لمقدماتهم الاستهلالية. يتوجب تقبُّل هذا الفخ في حال افتراض وجوده، وهو ليس حالنا على الإطلاق، لأن العمل الثقافي نوع من المواجهات المستمرة والسجالات. ما لم تكن سيداتنا الفاضلات راغبات بالدخول به هو (السجال) هذا وليس شيئاً آخر، وذلك أنهنَّ كنَّ يعتقدن بأن سجالاً من هذا القبيل كفيل بجرهن للحديث عن (الشخصي) و(الحميمي) غير المرغوب بالتصريح به. وهنا نرى مرة أخرى كيف يتجلى ثقل الواقع (اللاثقافي) في عمل (الثقافي) في العالم العربي، للأسف البالغ

 

slaibi@perso.ch