Shaker  LAIBI

شـاكر لعـيـبـي ضد شاكر لعيـبـي

أو محاولة لفحص جدي للذات الناقدة

 

شاكر لعـيـبـي

 

نعلم جيداً أن النقد والتحليل الثقافي يتوجه، دائماً، إلى متلقٍ (آخر) مختلف

تفترض هذه البداهة، عند الشروع بكتابة تحليلية رصينة، مساحة ضرورية، بل حاسمة بين الذات الكاتبة والذات المفحوصة. مساحة لا تسمح بأن يكون النقد مجرد عملية إسقاط داخلي على موضوع خارجي. بداهة ما بعدها من بداهة

وعندما يأخذ المرء نفسه مثالاً لضرورة مثل هذه، فإنه شخصياً لا يستقيم مع المبدأ الموصوف. لسوف يحيد عنه مرات لصالح ضروراته الفردية المعتملة في الخفاء. وهذا أمر ذو حدان متداخلان فيه الفظاظة والخلق في آن واحد. بداهة ما بعدها من بداهة لكنها تكشف في الواقع عن تداخلات ومشكلات تذهب مباشرة إلى مساءلة عملية الكتابة النقدية

يبدو من جهة ثانية أن الذات الناقدة العربية لا تستطيع التخلي عن نفسها، عن وعيها الذي تعتبره مـحكّاً ومعياراً، عن أدواتها التي تعتبرها مصقولة منذ البدء، عن رغائبها التي تعتبرها الضرورة والبداهة الأولية، عن طموحاتها الدفينة التي تظنها طموحات البشر جميعا بل آمال الأعمال المنقودة، عن حدودها التي تراها جميع الآفاق، عن ظنونها التي تظنها الحقائق الأكثر رسوخاً في العالم، عن موقفها النسبي الذي تعتبره، باختصار، موقف الواقف في المطلق

من الواضح بأننا نتكلم عن كتابة تضع للعقل، وليس للمشاعر مهما كان جلالها وقدرتها على استبطان الخفي، مكاناً أساسياً

هذا العقل يتوازن في عمل الشاعر والمفكر مع عمل الشعور

من هذه المنطلقات أليس ممكناً أن يعلن الكاتب موقفاً ضد نفسه، كأن يُسائل كاتب هذه السطور، منذ اللحظة، عمله النقدي ويحاول أن يعلن مشروعاً مضاداً لمشروعه النقدي، أن يعلن شاكراً خفياً آخر مضاداً لشاكره المعلن

سنفكك الآليات التي يتخفى وراءها شاكر الشخصي والتي يحسبها تفكيراً منطقياً مشتركاً مع الآخرين، سنتابع هواجسه المعلنة وكأنها مشروع فكري متماسك، سنتخطى تضليلاته اللغوية من اجل اكتشاف الحقيقي المُضمر فيها، سنتابع أحلام يقظته التي يعيشها كأنها الواقع الفعلي وذلك من أجل أن يُبهر القراء بمنطق اللاشعوري المتقنع بمنطق الشعور، سنحلل نصه النقدي بنص نقدي مضاد، سنذهب إلى مداهمته في ألعابه البلاغية والاستعارية المنثورة في ثنايا كتاباته التحليلية لكي نعرِّفه بأنه ليس في مقام برودة المنطق التي يزعم الإمساك بها، سنحاول إبعاده عن مجاله الحيوي الشخصي لكي يرى مجال الآخرين، سنعلِّمه أن خطابه يتكون من خطابات صغيرة متجاورة وبعضها خطابات مستعارة كلية من كتَّاب آخرين، سنقول له أن عمره لا يسمح له بإطلاقات شمولية جديرة بفلاسفة كبار، سنشير إليه: يا لعـيـبـي، أنظر إلى أفقنا ولا تُبصر فحسب من منفضة سجائرك الدائرية الصغيرة المعبأة بالرماد، سنقول إلى شاكر لعـيـبي البديهي أيضاً الذي ينساه كل مرة يتعلق فيها الأمر بشخصه، سنذكِّره بأنه لم يكبر في عيون بعض القراء إلا لأنه قدَّم، مرة من المرات، نموذجاً إبداعياً صغيراً وليس من أجل سواد عيونه الصغيرة

هذا الشاعر والكاتب لا يتوانى عن استخدام كل الحيل التي توفرها له اللغة من أجل إبهارنا المجاني وكلامه لا يقول شيئاً محدداً بعض الأحيان. هذا الكاتب متحذلق الشيء وأسلوبه لا يشي بمعرفة عميقة. إن معارفه الزهيدة مغطاة بطبقة سميكة من البلاغات والإنشاءات. إنه لا يقول ما يؤمن به بالفعل ويقول ما هو سائد في السوق النقدي العربي لكي يكون مقبولاً ومنشوراً

هذا الشاعر-الكاتب هو مثال جلي لكثير من الأقلام الرائجة اليوم في الثقافة العربية. وفي حين إنه لا يقول معنى محدداً فإنه يوحي لنا بأنه في قلب المعنى، بل في معنى المعنى

 

ستُستَخدم مقالتنا، من دون شك، في يوم من الأيام، في التنكيل بهذا الكاتب بسوء طوية. لكن مثال الكاتب المعني ها هنا يُستخدم من أجل إيضاح فكرة أعمق من الأسماء والشخوص والذوات، فكرة تتغلغل عميقاً في الكتابة النقدية العربية التي، وهي تزعم الانهماك بالنقد وهو جهد عقلي، فأنها لا تفعل سوى قول ذاتها الفردية وحساسيتها الشخصية المتكونة من طبيعة أخرى غير نقدية بالضرورة، أي من طبيعة استعارية، إبداعية أدبية

هذه الطبيعة مشروعة تماماً شرط أن لا تتدخل، بمهارة، بـمشاريع العقل

 

وبالطبع فليس ثمة من تناقض بين أعمال العقل وأعمال الروح. بـمعنى آخر ليس ثمة من انفصام بينهما إلا عندما يتقنع الواحد منهما بقناع الآخر ويلعب دوره

اختلاط الأدوار هو ما نتكلم عنه هنا بمرارة

 

العودة الى صفحة المقالات