ريلكه

الأعمال الشعرية الكاملة

المكتوبة بالفرنسية مباشرة ً 

مختارات

ترجمها عن الفرنسية وقدّم لها

شاكر لعيبي

 

 

كتب الشاعر الألماني رايتر- ماريا ريلكه قد ما يُقارب الـ 400 قصيدة (وهو عدد كبير بل مذهل) باللغة الفرنسية مباشرة وهي ليست لغته الألمانية الأم. ويبدو أن ريلكه قد شرع بنصٍّ فرنسيّ محمَّل بطاقاتِ لغةٍ غير الألمانية قبيل سنة 1922 وهو ينجز 28 قصيدة فحسب، لكنه انغمر بسعادةٍ وبتحدٍ في هذا المشروع الشعري المثير حتى وفاته عام 1926. وبشيء يشبه المعجزة أنتج، بغضون أربع سنوات أو خمس، عدداً كبيراً من القصائد في لغة بودلير لم تمر مرور الكرام في الوسط الشعري، وجلبت انتباه كبار أدباء الفرنسية. فقد كتب بول فاليري بشأن أعمال ريلكه الفرنسية معلناً إعجابه برهافتها المذهلة وغرابة أصواتها الفرنسية، بينما وَجَدَ أندريه جيد في أبياته الفرنسية فرحاً من نمط جديد، مُذَكِّراً بقوّة خصائصها الشعرية.

لقد أنجزتُ ترجمة الأعمال الشعرية الكاملة لريلكه المكتوبة باللغة الفرنسية منذ بضع سنوات، معتمداً على طبعة مزدوجة اللغة (فرنسية - إنكليزية) هي طبعة:

The Complete Franch Poems of Rainer Maria Rilke, translated by A. Poulin, JR, Ed. Graywolf 1986.

هذه الطبعة مفيدة لأكثر من جهةٍ، لأنها تُيَسِّر عملَ المترجمِ وهي تمنحه، إضافةً إلى النصّ الأصليّ، مقترحَ ترجمةٍ إلى لغةٍ أخرى، الأمر الذي يضعه أمام أقل الإمكانياتِ في تأويل الأبيات أو الألفاظ المُشـْكِلَة تأويلاً مفرطاً.   

من بين جميع القصائد الفرنسية لريلكه التي ترجمتُها، نشرتُ، في الصحافة العربية، واحدةً طويلةً منها لا غير، وأجّلتُ نشرَ الأعمالِ الكاملةِ بكتابٍ مُنْفَصِلٍ وقتاً طويلاً، لأمنحَ نفسي الفرصةَ بإعادةِ ترجمتي وغربلتها. لكن النصوصَ منحتني فرصةً نادرةً في تأمُّلِ شعر ريلكه الذي قرأتُ كلّ ما تيسَّر لي منه مترجَمَاً إلى بالفرنسية إضافة إلى مجموعٍ كبيرٍ من مراسلاته الشخصية. وقادني ذلك كله إلى كتابة محاولتي النقدية (شعرية التنافذ: ريلكه وتقاليد الشعر العربي) الصادر عن دار أزمنة في عمّان 2005.

هذه الأشعارٌ تطلع من رهافةٍ وقوةٍ شعريتين تستأهلان معها تقديمها إلى القارئ العربي.

 

الوردة

Les Roses

 

I

إذا ما أدهشتنا عذوبتك كثيراً

أيتها الوردة السعيدة

فلأنك تستريحين تويجاً فوق تويج

في داخل ذاتك

 

يَقِظة تماماً [سوى] المركز

النائم. بينما تتماس، لا تُحصى، حنانات

هذا القلب الصموت

التي تؤدي إلى الفم الأقصى

 

II

أراكِ، أيتها الوردة، كتاباً منفرجاً

بصفحات كثيرة

سعادة تفصيلية

لن تُقرأ أبداً. كتابٌ – مجوسيٌّ،

منفتح في الريح ربما قُرأ

بعيون مغمضة...،

حيث تطير الفراشات منه ملتبسة

بسبب الأفكار نفسها

III

أيتها الوردة، أيها الشيء المكتمل بجدارة

المحتوي ذاته بلا نهاية

المنتشر بلا نهاية، أيها الرأس

ذو الجسد الغائب بسبب وفرة نعومته،

لا شيء يضاهيك، أنت، أيها الجوهر السامي

عطرك يحوم

حول هذه الإقامة الطافية

حول فضاء الحب صعب الطلوع هذا.

 

IV

نحن من أقترح عليكِ

أن تملئي كأسكِ.

وقد أقْدَم رخاؤك على الأمر.

أنت المذهولة بهذه البراعة

 

كنت جد غنية لكي تكوني أحلي مئة مرة أنت نفسكِ

في زهرة واحدة؛

إنها حالة المُحِبّ.. غير أنك لم تفكري بشيء آخر.

 

 

V

زهدٌ مُحاطٌ بزهد

حنانٌ يمسُّ حناناً

ها هو داخلك يُداعب

ذاته من دون توقّف، سُيقال؛

يُداعب نفسه بنفسه،

بانعكاسه المضيء.

هكذا ستخترعين موضوعة

النرجسة المقبولة.

 

 

VI

وردة وحيدة هي الورود جميعاً

هي التي لا يُحَلُّ محلَّها

[هي] الكاملة، هي اللفظة الطرية

المحاطة بنص العالم

 

من دونها كيف سنقول

ما كانت رجاءاتنا

وما كانت رغائبنا الرقيقة

[من أجل ذلك] الإقلاع المستمر

 

 

VII

مستندة أيتها الشفيفة الواضحة

[أيتها] الوردة، على عيني المغمضة

كما لو آلافاً من الجفون

المتراكبة على [جفني] السخين.

 

ألف نعاس في شَرَكِ

المتاهة المعطَّرة

التي أطوف فيها

 

 

VIII

من حلمك الكامل

تنحنين على الصباح

زهرة من بين عديدات

مبلَّلة كما لو كنتِ باكية

 

قواكِ النائمة

في الرغبة الحائرة

تغلِّف هذه الأشكال الحنونة

بين خدودٍ وأثداء

 

 

IX

[أيتها] الوردة المحتدمة لكن الواضحة

التي ينبغي أن تُسمَّى مُذْخَرَ

القديسة – الوردة..، الوردة التي توزِّع

هذه الرائحة المقلقة للقديسة العارية

 

الوردة غير المُغْواة البتة ثانيةً [و]المتحيرة

من سلامها الداخلي، العاشقة الأخيرة،

البعيدة عن حوّاء، [و]عن استنفارها الأول،

الوردة التي تمتلك الخسارة إلى الأبد.

 

X

صديقة الأوقات التي لن تُبقي أحداً

حيث الكل يُرْفَض بقلب مرٍّ؛

المعزَّيَة ذات الحضور الذي يقول

الكثير من الملامسات الطافية في الهواء.

 

إذا ما رفضنا العيش [و]إذا ما نفينا

ما كان وما سيكون

فإننا لن نفكر كفايةً بالصديقة الملحاحة

التي تُنْجِز إلى جانبنا عملها الباهر.

 

 

XI

لديَّ وعيٌ عميقٌ

بكينونتك، أيتها الوردة المكتملة

لكي يخلطكِ رضايَ

بقلبي ذي الأعياد

استنشقك، كما لو كنتِ

أيتها الوردة، الحياة كلها

إنني أشعر بأنني الصديق المثالي

لصديقة مثلها.

 

 

XII

ضدَّ مَنْ، أيتها الوردة

تبنَّيتِ، يا سيدتي

هذه الأشواك؟

 

بهجتك المُصفَّاة

هل أجبرتك

على إشهار هذا الشيء

المسلَّح؟

 

لكم مِمَّ يحميك، يا سيدتي

هذا السلاح المفرط

كم من عدو سارق

لا يخاف منه.

ولو أنكِ، من صيف إلى خريف،

تجرحين العناية الممنوحة إليكِ

 

XIII

هل تفضلين، أيتها الوردة، صحبة

فوراناتنا الحاضرة؟

عندما تعود السعادة.

هل تتلبسكِ الذكرى أكثر فأكثر؟

 

رأيتكِ مراتٍ سعيدةً وجافة

- كل تُيجٍ كان كَفَناً –

في علبة معطَّرة، إلى جانب مشعل

أو في كتاب محبوب سنعاود قراءته منفردين؟

 

 

XIV

صيف: أن يكون المرء لبضعة أيامٍ

مُجَايِلاً للورود

أن يستنشق ما يخفق حول

أرواحهنَّ المتفتّحة

 

أن يجعل ممن تموت

موضعاً للثقة

وأن يُحيّي في هذه الأخت

وروداً غائباتٍ أُخَر.

 

 

XV

وحيدة، آه أيتها الزهرة العزيزة

تصنعين فضاءك

تتأملين في بللور من العطر

 

ورائحتكِ تطوف مثلما تُويجات أخرى

كؤوسك عصية العدِّ

سأحتفظ بكِ، أنت تنتثرين

أيتها الممثلة الفاخرة

 

 

XVI

سوف لن نتكلم عنكِ، أيتها الطبيعة

العصية على الوصف

ثمة ورودٌ أُخرياتٌ يزيِّنَّ الطاولة

التي تتمظهرين فوقها

 

عندمت توضعين في المزهرية البسيطة

فإن كل شيء يتبدل فجأةً:

ربما الجملة ذاتها

مغناة [بلسانِ] مَلاكٍ.

 

هي أنت من يتقلب فيك أكثر منكِ

ما يخرج منكِ هو جوهركِ الأخير: هذا الانفعال المُقْلِق

إنه رقصكِ

 

 

XVII

كلُّ تُويجٍ وافقَ على

أن يتقدَّمَ في الريح

بضعة خطواتٍ عطرية

لا مرئية

 

يا موسيقى العيون

المحاطة كلّياً بالمياه

ها أنتِ في الوسط

متعذّرة اللمس.

 

 

XVIII

تشاطريننا ما يجعلنا مضطربين

في حين أننا نجهل ما يحدث لكِ.

تتوجب مئة فراشة

لقراءة صفحتك كلها.

 

ثمة من بينكنَّ من هُنَّ شبه القواميس

لدى من يقطفها

الرغبة في طيِّ الأوراق كلها

 

 

XIX

هل هو نموذجٌ ما تقترحينه؟

هل نستطيع الامتلاء مثل الورود

منوِّعين [مادتنا] الحاذقة

المصنوعة لكي لا تصنع شيئاً؟

 

سيُقال بأن صيرورة الوردة لا تتمُّ

بالعمل

[عندما] كان الإله ينظر من النافذة

أشاد المنزل.

 

 

XX

قولي، أيتها الوردة، من أين يجيء

جوهركِ المُغلق عليكِ أنتِ نفسكِ

البطيء، الذي يفرض

على هذا الفضاء النثري

كلّ هذه الفورات الهوائية؟

 

كم مرة زعم هذا الهواء

أن الأشياء تدور به

[وكم من مرّةٍ] برهن مشمئزاً

بأنه [مُصابٌ] بالمرارة

لأنه كان يدور عبَثاً

حول جسدكِ أيتها الوردة.

 

 

XXI

ألا تُصابين بالدوار

من الالتفاف حول ذاتكِ، [حول] ساقكِ

من أجل تمامكِ، أيتها الوردة الدائرية

لكن عندما يغمركِ الحماس

 

فإنكِ تتجاهلين [حتى] ذاتكِ [النائمة] في برعمـ[ـها].

عالم يدور من غير طائل

لكيما يقدر مركزه الهاديء

أن يعيد الطمأنينة إلى الوردة المدوَّرة.

 

 

XXII

تخرجين، أنت يا سيدتي، مرة أخرى

من أرض الأموات

سيدتي أيتها الوردة، المنتقلة

نحو صباحٍ من الذَهَب.

 

هذه السعادة القنوعة

هل يَسْمح بها

ذوو الجماجم الفارغة

التي لم تعرف الكثير أبداً

 

XXIII

أيتها الوردة الواصلة متأخرةً: لتتوقف الليالي

بوضوحها الكوكبيّ القويّ

هل تخمنين، أيتها الوردة، العذوبات السهلة [و]الكاملة

لأخوات صيفك؟

 

أراكِ متردّدة. [طيلة] أيام وأيام

في غمدكِ القويِّ

الوردة التي تقلِّد بالمقلوب، منذ ولادتها

إبطاءات الموت.

 

في خليط يلتبس فيه كلُّ شيء

هل عرفتك حالاتكِ المتعددة

على هذا الاتفاق المستحيل بين الوجود والعدم

الذي نجهله؟

 

 

XXIV

أيتها الوردة الأرضية مع ذلك، المتساوية معنا بذلك

[يا] زهرة زهورنا كلها.

إلا تهجسين فيكِ، تُويجاً فوق تُويج،

سعادتنا الخفّاقة.

هذه التماسات العذبة التي تغمركِ، آه، أيتها الوردة

هل تحتوي ما كنّا قد حاولناه وما نحاوله

و[تحتوي] لذّتنا المترددة.

 

 

XXV

أيتها الوردة العزيزة على تقاليدنا

المُهْداة إلى ذكرياتنا العزيزة

التي تكاد أن تكون متخيَّلة

لترتبط وثيقةً بأحلامنا

 

الوردة الصموتة تبذُّ الأغاني

وهي تختلط بالهواء

[الوردة] المظفَّرة في زينتها الوردية

التي ستموت بين عاشقين.

 

 

XXVII

هل كان ينبغي، أيتها الوردة، تركك في العراء

أيتها الوردة العزيزة؟

ماذا تفعل هنا وردة في هذا المكان

الذي يضنينا فيه القدر

 

نقطة البداية. هي أنت من يقاسمنا

هذه الحياة، هذه الحياة المدلَّهَة

التي ليست من عمرك

 

 

النوافذ

Les fenętres

 

 

I

من الشرفة

أو في مربع النافذة

يكفي أن تجرؤَ إمرأة أن تكون

تلك التي نُضيِّعُها

عند ظهورها

 

وحينما ترفع ذراعيها

لكي تلملم شعرها، ]تلك[ المزهرية الطرية

كم ستربح خسارتنا من التشدُّق

وسعادتنا من البريق

 

 

 

II

تقترحين عليَّ، أيتها النافذة الغربية، الإنتظار

توشك للحظة ستارتُكِ السمراء أن تتحرك

أيتوجّب عليَّ، أيتها النافذة، أن أقبل دعوتك،

أم أدافع عن نفسي يانافذة ؟ مَنْ أنتظر ؟

 

 

 

ألستُ سليماً في هذه الحياة التي تُصْغي

مع هذا القلب المكتمِل بالفقدان

مع هذا الطريق الممتدُّ ]أمامي[ و]هذا[ الشكُّ

الذي تستطيعين منحه القليل الذي يستوقفني حُلْمه

 

 

 

III

أليست هندستُنا ، أيتها النافذة

مشكلةً جد بسيطة

تحيط، بيُسْرٍ،

بحياتنا الكبيرة

 

المرأة التي نحبها ليست الأكثر جمالاً البتة

إلاّ حين نراها تَطْلع مؤطَّرةً بكِ

أنت، أيتها النافذة من يوشك على تأبيدها

 

كلّ المصادفات لاغية

الكائنُ يقبع في الحب

مع قليلٍ من الفضاء المحيط به

الذي نحن سادته

 

 

1V

أيتها النافذة، يا مقياس الإنتظار

الممتليء مرات

بتدفق الحياة وهي لا تطيق صبراً

]رغبةً [بحياةٍ أخرى

هي أنت من يَفْصِل ويَجْذب

وأنتِ تتحّولين، مرآة، مثل البحر

نتأمل فيها بغتة أشكالنا

وهي تخلط عبر ]المرآة[  ما تراه فيها

 

عينة من حرية وعدها القدر

بالحضور

 ]حرية[ مأخوذة بمن يقارن نفسه

من بيننا بوفرة العالم

 

 

V

مثلما تمسين كل شي

أيتها النافذة بمعنى طقوسنا :

لا يمكن للكائن الواقف

 في اطارك إلا أن يكون منتظراً أو متأملاً

 

أنتِ من يضع تسليةً وكسلاً كهذا

على الصفحة

لكي يتجمهر قليلاً ويصير صورةً له

 

الطفل الضائع في موجة من الضجر

يتكيء عليك ويبقى،

يحلم بأنه ليس هو

بل الزمن الذي يبلي معطفه

والعاشقات المرئيات هناك

ساكنات وهشات

مثقوبات مثل الفراشات

من أجل جمال أجنحتهن

 

 

 

V1

من عمق الحجرة، من السرير ثمة الشحوب الذي يُباعِد.

يتنحى الشبّاك الكوكبيُّ للشبّاك البخيل

الذي يطالب بالفجر

لكن هنا ]كذلك[ المتعجلة، المنحنية، المتبقية :

بعد هجران المساء، ]هذه[ الشابة الأرملة السماوية

القانعة بدورها

 

لا شيء في السماء الصباحية التي تتأملها المعشوقة الرقيقة

لا شيء سواها، هذه السماء، ]هذا[ المثال الشاسع :

عمق وعلو

سوى الحَمَامات التي ترسم حلقاتٍ في الهواء

حيث تحليقها المشتعل المتنـزه بدوائر لينة

عودة من النعومة

 

 

V11

النافذة التي طالما بحثنا عنها

لكي نضيف إلى الغرفة المحسوبة

جميع الأرقام الجموحة

التي سيضاعفُها المساء

 

النافذة التي كانت تجلس فيها مرة

تلك التي تقوم عوضا عن الحنان

بعمل بطيء

يهدأ ثم يثبت

 

النافذة حيث الصورة المشروبة

في دورق الأصل اللماع

هي الزَرَدَةُ التي تغلق حزام رؤيتنا العريض

 

 

V111

منفعلة تُمضي الوقتَ

وهي تتكيء على نافذتها

متماسة مع كينونتها

ساهية ومتوترة

 

 

مثل السلوقي ينام

بينما تظل أقدامه متهيئة ]للجري[

غريزتها على الحلم تفاجيء

وتنظم الأشياء الجميلة

التي هي أيديها المرتبة

كل شيء ينخرط عبر هذا

لا الذراعان ولا الثديان ولا الكتفان

ولا هي نفسها تقول: كفى

 

1X

نحيب، نحيب، نحيب صاف

لاشيء يتكيء على النافذة !

سورٌ لا عزاء له

ممتليء بأمطاري !

 

المتأخر للغاية والمبكر للغاية

هو ما تقررينه من أشكالك

و<ما> تلبسينه أيتها الستارة

<هو> فستان الفراغ !

 

X

لأنني قد رأيتكِ منحنية

على النافذة الأخيرة

فقد فهمتُ، فقد أرتويتُ

من عدمي

 

ترينني ذراعيك

الممدودين نحو المساء

من حينها فقد جهدتِ بأن

يهجركِ كل ما هو في داخلي

يهجرنني ويهرب مني

 

هل كانت إشارتك برهاناً

على وداع عريض جداً

غيّـرني في الهواء

وناثرني في النهر؟

 

 

XI

الصحنُ العموديُّ الذي نأكل فيه

الزادُ الذي يطاردُنا

والمساءُ العذب للغاية

والصباحُ المرّ غالباً

 

الوجبة اللامتناهية

المتـبَّلة بالقمح

لا يتوجّب الشعور بالارهاق

والأكل بالعيون

 

فليُقترح أحدٌ لنا مأكلاً

عند نضوج الخوخ

آه يا عينيَّ، يا آكلـتـيْ الزهر

ستشربان القمر..

 

XII

إنني بمزاجٍ نافذيٍّ هذا اليوم

كأنني أقع في صلب الحياة عندما أنظر <بعيوني> فحسب

كل الأشياء تفاجئني بنكهة إضافية

<و> بذكاءٍ مكتمِلٍ كما لو في كتاب

 

كل طائر، في تحليقه، يجتاز

أبعادي ويود لو أنني أرضى

وأن أرضى. القوة المتقلبة

لن تروَّعني بعد لأنها تثـقـبنـي

 

ستجدونني عندما يفيض الليل

الذي كان قد اجتاز النهار كله ربما

مانحاً نفسه لكِ أيتها النافذة التي لا تُستنفذ

لكي يصير النفق الآخر من العالم

 

 

 

XIII

كانتُ بمزاجٍ نافذيٍّ هذا اليوم

كأنها تقع في صلب الحياة عندما تنظر <بعينيها> فحسب

ترى العدم الثمل قادماً يدخل

عالماً إضافياً إلى قلبها

 

سنقول إن نظرتها تسقي

بسخاء حديقة عذبة من الصور

هل هي الحرية أم العبودية ؟

إنها لا تغيـِّر من وقفتها المتراخية

 

بعيداً عمن يعيش ويطوَّف

فإن قلبها يبدو رقماً قد أضاء فجأة

شبيها (بالميزان) و(بالقيثارة)

شبه اسمٍ من الغيابات الألفية

 

 

XIV

في البدء، صباحاً، ثمة النافذة المتوحشة

في <الطابق> الخامس تكادين أن تكوني مشمئزة

وتبدين منهكة ونازفة

 

كل لغات الغرفة. هذه اللغات

التي يجففها ويقضمها ذهابنا ومجيئنا العابث

كما لو كنا أكاذيبها الكبري

إننا كذلك نصارعها، هذه اللغات، ونعاقبها

لأنها قد قالت لنا وعاودت القول دوماً

آه أيتها الفاحشة اهبطي من السرير !

 

 

 

XV

منذ متى نلعب معك

بعيوننا أيتها النافذة

مثل (النسر الواقع)

يتوجّب عليكِ العودة إلى المجرَّة

 

آلة عذبة وقوية

لأرواحنا المتتابعة

اقتلعي من أقدارنا أخيراً

شكلكِ النهائي

 

 

اصعدي ! دُوْرِي من بعيد

حولنا نحن الذين نصنعكِ

كوني، أيتها الكواكب،

القوافي الملتقطة عند تخوم مصائرنا

 

 

راحة كف

Ŕ Mme et M. Albert Vulliez

 

راحةُ الكفِّ سريرٌ مجعدٌ

تركتْ فيه النجومُ النائماتُ

طياتِ ثيابـ [هنَّ]

عندما نهضنَ إلى السماء.

 

هل كان هذا السرير على هذه الشاكلة

بحيث كن يجدن أنفسهن مستريحات

صافيات ومتأججات

بين الكواكب الصديقة

[الثابتة] في حوافزها الأبدية؟

 

يا سَرِيْرَيْ كفيَّ

المهجورين والباردين

الخفيفين بسبب الثقل الغائب

لهذي الكواكب الصلدة.

عابرة الصيف

 

هل تشاهدها قادمة في الطريق [هذه] البطيئة، السعيدة

تلك التي نشتهيها، الجوّالة؟

عند استدارة الجادة سوف

يحييها سادة الماضي الجميلون

 

تحت مظلتها وبلطف سالب

تستثمر المبادرة الرقيقة :

[ستكون] ممحوةً للحظة في الضياء المتدفق فجأة

 [وهي] تجلب الظل الذي تستهدي به

 

 

 

الماء العجول، الجاري، الماء النسّاء

 

أيها الماء العجول، الجاري، الماء النسّاء

الذي تشربه الأرض الساهية

المتردد للحظة في حفرة يدي

تذكرْ!

 

أيها الصافي، أيها الحب السريع، يا لامبالاةٍ

يا شبه غياب يجري

ثمة بين وصولكَ الزائد وإقلاعكَ الزائد

إقامة مضطربة قليلا.

 

 

 

لأنه ينبغي علينا الرضا

 

لأنه يتوجب علينا الرضا

بجميع القوى القصوى,

الشجاعة مشكلتنا

رغم الندم الكبير

 

ومن ثم، يحدث غالباً

أنْ نواجه [كلاً] متغيّراً:

الهدوء يغدو إعصاراً   

والهاوية تصير قالباً للملاك.

 

لن نخش المنعرج

يتوجب أن تزمجر الأراغن ،

لكي تتدفق الموسيقى غزيرة

بنوطات الحب جميعاً.

 

 

 

ما أجمل أحيانا أن أتفق معك

 

ما أجمل أن نكون على وفاق

أيها الأخ البكر يا جسدي

ما أعذب أن أكون قويا بقوتك

بالإحساس بك ورقة، ساقا، لحاءاً

وكل ما تستطيع أن تكونه

أنت أيها القريب من الروح

 

أنت، أيها الصريح، المتماسك

في بهجتك التي تعلن

بأن هذه الشجرة ذات الإشارات

هي التي تُبْطئ، للحظة، المرئياتِ السماويةَ

من أجل أن تنفخ فيها حياتها.

 

 

حديقة 1

 

لو أنني قد تجرأتُ في الكتابة إليك،

أيتها اللغة المستعارة، فمن أجل استخدام

هذا الاسم الريفي الذي كانت إمبراطوريته الوحيدة

تعذبني دائما: حديقة

 

الشاعر المعْوَزّ ينبغي عليه أن يقوم بخيار [ما]

ليعلن كل ما يتضمنه هذا الاسم

شبه الغامض الذي يتقلب،

بل [هذا] السور الذي يَقِيْ.

 

[أيتها] الحديقة يا مأثرة القيثارة

 لمجرد أنها، ببساطة، أسْمتك

اسما لا مثيل له يجتذب النحلات

اسما يتنفس وينتظر...

 

اسما واضحا يخفي الربيع الأنتيكي

الممتلئ كما الشفاف

والذي بمقاطعه الصوتية المتماثلة

يُضاعِفُ كل شيء ويتكاثر.

 

 

حديقة 111

 

الأرض أكثر حقيقية على الإطلاق

عندما تكون في غصونك، أيتها الحديقة الشقراء،

ولا تصير أكثر خفة إلا عندما تكون في الدانتيلا

التي تصنعها الظلال على العشب

 

هناك يقترن ما يتبقى لنا

وما هو رصين وما يُطعم [البشر]

بالممر الجليّ للحنان اللانهائي

 

لكن في وسطك ثمة نبع هادئ،

شبه نائم في استدارته القديمة

يتكلم بصعوبة في هذا التضاد،

لأن الحديقة ممتزجة به.