رسالة مفتوحة للدكتور محمد حسين الأعرجي

هل ثمة (انحطاط) في كتابة قصيدة نثر بقافية؟

شاكر لعــيـبـي

 

أستاذي الجليل محمد حسين الأعرجي، قرأتُ تعليقك الغنيّ في جريدة (المؤتمر، العدد 291 بتاريخ 9-15 شباط 2002) المعنون (قصيدة نثر لكن قافية: الشعر متعة لغوية جمالية وإلا..خواء)، وتوقفت ملياً أمامه لأنه يطلع من دارس أكاديمي رصين ما زلنا نتعلم من معرفته بتراثنا العربي ومن توغله بخفايا شعرنا الكلاسيكي. توقفت طويلاً لأن كلمتك تخصُّني، فأنا المقصود مباشرة بهذا الضرب من الكتابة. لقد فضلتُ أن استخدم أسلوب المراسلة الودية التي تطلع من القلب وقد تذهب إلى القلب بدلاً من أن أقول، بدوري، كلمتي على هيئة مقالة تنافح وترد على الاتهامات التي تحسبها موجهة إليها

 

لقد تأثرتُ بعمق لأنك تقيمُ أحكامك بناء على خبر مستعجل مكتوب بإطار الإثارات الصحفية المشروعة، وأظن بأنك قد قرأتَ خبراً في الصفحة الأخيرة من (المؤتمر) يعلن عن أمسية في غاليري (آرك) في لندن كانت مكرسة لمناقشة ذاك النوع من الشعر. تأثرتُ خصوصاً لأنك تطلق (حكم قيمة) على تجربة شعرية من الواضح، أيها الأستاذ الجليل، بأنك لم تطلع البتة على نص واحد منها. لقد بقيتَ بالتجريد ونظرتَ إلى (الفكرة) ولم تنظر إلى النص الفعلي المتحقق الطالع من الفكرة. سوى أن فكرتنا عن (قصيدة نثر بقافية) تبدو وكأنها قد تسطحتْ على يدك الكريمة بحيث أسمح لنفسي بالشك الآن بمتابعة بعضنا البعض، بل أظن، وبعض الظن إثم، بأننا نمتلك أحكاماً نهائية ضاربة بالماضي عن بعضنا البعض

لقد توقفتُ عند وصفك محاولتي الجديدة (بالانحطاط). فبعد أن استهللت مقالتك بالعبارة التالية: "نحن في عصر الانحطاط سياسياً وفكرياً واجتماعياً وأدبياً"، توصلتَ إلى القول: "وقرأتُ في جريدة المؤتمر في عدد لا أتذكر رقمه أن أحد الشعراء العراقيين ينتوي إصدار ديوان من النثر، ولكنه سيكون نثراً مقفى. وإذا قرأت الخبر صاحت بي ذاكرتي: أن الآن اكتمل الانحطاط"، ومن ثم ذهبت بك الحماسة مذهباً وأنت تقول: "صرت أتجنب قراءة أي نموذج من قصيدة النثر إذا رأيت سطورها الأولى لا تنم عن شاعرية، فما بالك بي إذا قرأتُ قصيدة النثر-كما يسمونها- وهي مقفاة بدون وزن؟ إن ذلك لهو الشعرالخنثى". سأعرض صفحاً عن عدم دقة ما تورد أعلاه عن الخبر لكي نتجاوز الهامشي والطفيف، وسأذهب للخوض في الشأن المعرفي. اسمح لي أيها الدكتور الجليل أن أذكِّر حضرتكم ببضع نقاط أساسية تتعلق بالموضوع

 

أولاً: أن التحقق الفعلي لفكرة من الأفكار في الأدب، وفي الشعر بشكل خاص، أعوص وأهمّ من (الفكرة المجردة) المطلقة التي تنحني عليها. وبعبارة أخرى فمن المستحيل فصل (الشعري) عن (شكله) وبالتالي يتوجب النظر مباشرة في الشعر الذي حاولته والذي يزعم الوصول إلى قصيدة نثر بقافية. إنك أيها السيد الجليل تقوم بمحاكمة (شكلانية) من دون أن يتوفر أمامك نص واحد (شعري)- أو نثري إذا شئت- تحكم وفقه بانحطاط كامل لهذا الضرب من الكتابة. كيف إذن تتوصل إلى تقييم نهائي وحازم من هذا القبيل بعيداً عن (النص)؟ نُبلك ورجاحة عقلك ستتفهم سؤالي

 

ثانياً: تعلم يا أستاذنا الفاضل أن كل محاولات التجديد في الشعر العربي قد وصمتْ بتهم شتى، خاصة بتهمة الخروج عن (القوانين النهائية) للكلام العربي وبالمروق على أنواعه، وفي الشعر (بالخروج على عموده). سأذكرك بمحاكمات النقاد لأبي تمام و(بالرسالة الموضحة) للحاتمي التي كتبها بشأن المتنبي

ثالثاً: إن الرجوع إلى (معايير نهائية) في التفريق بين الشعري والنثري، والعودة إلى (أنظمة عمل) مطلقة للأنواع ما فتيء يشكل جوهر العمل النقدي التقليدي في أدبنا العربي حتى وقت قريب. لم يكن ممكناً تقريباً خلط الأنواع ببعضها وتخصيب بعضها. لقد بادتْ هذه الفكرة في عالمنا المعاصر وأرى بأننا ينبغي أن نتقبل حدوداً متحركة بين الأنواع

رابعاً: إن الخصومات الشعرية المتعلقة بطبيعة (الشعري) وعناصره الشكلية -وأشدد الآن على تلك العناصر- كانت تتمحور، بالنسبة لمؤيدي وخصوم الجديد كليهما، على إيجاد مرجعيات ثابتة ومعيارية للأشكال. وقد أثبت الزمن عدم وجود مرجعيات نهائية للأشكال بعيداً وبغض الطرف عن ما سنسيمه تجوّزاً بـ(المضامين)، أي بعيداً عن طبيعة محمول النصوص. أذكِّر حضرتكم بأن بعضاً من السِجال العنيف الخصب الذي دار بشأن (الشعر الحر) كان يتماهي مع فكرة المرجعيات تلك بالنسبة لخصوم الشعر الحر الذين التقوا، من الناحية الشكلية، (بالبند) مرجعاً ممكناً. لقد حاولوا تقطيع النصوص الحديثة، وشكلياً على الدوام، وفق قوانين البند. في حين أن خصومهم، وهم يعرضون عن هذه الإمكانية، كانوا يشددون على نقاط مروق القصيدة الحرة عن تلك القوانين. كان الكل يعرض عن الإمكانيات الموضوعية المتعايشة، ولم يروا أن شكل الشعر الحر كان يلتقي مع إيقاعات البند ويتفارق معها في آن واحد

 

خامساً: لقد كان الغائب الأكبر في ذلكم الحوار هو جوهر الشعرية الجديدة التي كان الشعر الحر يلقي بها إلى الوسط الثقافي، بينما كان الحاضر الأكبر هو (نزعة شكلية) أثبت الزمن بطلانها، أو على الأقل عدم انسجامها مع الروح الوثاب الجديد الذي طلعت منه القصيدة الحرة

 

سادساً: إنكم تستعيضون اليوم وبذات المنطق الشكلاني عن مرجعية (البند) التي كانت الحجة السابقة، بمرجعية (السجع)، لكي يبقى الأساسي غائباً وهو (الشعرية) الجديدة، ولقد كانت هي عينها الغائب الأساسي يومئذ مع الشعر الحر

 

سابعاً: على أن تجربتي بكتابة (قصيدة نثر لكن بقافية) لا تهتم على الإطلاق بالسجع التقليدي ولكن (بالقافية). لو أنكم قرأتم نصوصي لرأيتم أن المحمول والإيحاء الذي تشيعه كلمة (سجع) غير موجود فيها. فالسجع يحيل القاريء فوراً إلى نزعة شكلانية واستطرادات نغمية مملة، مفتعلة أحياناً، تستجلب الإيقاع بأي ثمن وعلى حساب الدلالات في أحيان أخرى كثيرة. ربما يصير الاستجلاب المتعسف للسجع، اليوم، رديفاً للانحطاط، بينما لا تشير استخدامات القافية إلى أي نوع من التدهور الثقافي أو المعرفي أو الأخلاقي. إنكم تعلمون أيها الأستاذ الجليل أن القافية في شعر الجواهري والسياب ومحمود درويش لا علاقة لها بانحطاط أردأ أنواع السجع الذي يشترك مع الشعر، رغم ذلك، بتنظيم نهايات الكلام بإيقاعات موحَّدة أو شبه موحَّدة

 

ثامناً: إن مسعى أفضل نماذج قصيدة النثر التي لا تعترف أيها الفاضل بإمكانياتها، يذهب نحو (جوهر الشعري) وهو الاستعارة، ونحو الإمكانيات التي يمكن أن تولـِّدُها استعارات أكثر حداثة في قول معنى أكثر حداثة. وقصيدة النثر بهذا المعنى لا يتوجب أن تكون انقطاعاً عن الأصول الشعرية العربية بل تكون امتداداً لها كما أرى، وبالتالي فبإمكانها، انطلاقاً من تأسسها على الاستعارة، أن تـمتح من جميع العناصر الشكلية التي يتيحها لها تاريخ الشعر العربي، ومنها القافية بالطبع. لسنا في مقام الانحطاط ولكن في مقام المعرفة

 

تاسعاً: أود أن ألفت انتباه حضرتكم أن واحدة من كوارث المنفى هي القطيعة التي يقيمها بين المثقفين. وأن واحدة من مشكلات الثقافة العربية الحالية، وهو ما قد ينطبق عليه بالفعل وصفك بالانحطاط، هي طبيعة (التلقي) الذي لا يقرأ النصوص في شروطها ولكنه يستحضر أفكاراً جاهزة عنها أو يعاود قول أفكار قديمة. وهنا لا ألـمِّح إلى حضرتكم من قريب وبعيد، ولكنني التقيت بتعقيبات عن قصيدة نثر بقافية تطلق (أحكام قيمة) مماثلة الجرأة لإحكامكم أيها الدكتور الجليل من دون أن تقرأ نصاً واحداً، ومن دون أن يرف لها جفن. هذا الضرب من (التلقي) مهموم بالتفنيد وبالتعليق على ما توحي له به الأخبار الصحفية، أكثر مما هو مسؤولية معرفية. أرجو أن لا تتوقف عند هذه النقطة الهامشية، لكي نمضي بالجوهري من حوارنا الثقافي والشعري. إنها نقطة عارضة لا أهمية لها

 

عاشراً: ما لنا أيها الدكتور الفاضل و(سجع الكهان) وغيره مما تشير لنا به؟ إننا أكثر تواضعاً من ذلك بكثير، على أننا نتذكر، في سياق محاججاتنا الحالية، أن قد جرى تأويل جدة وعظمة القرآن الكريم على أساس مقاربته بسجع الكهان. سوى أن الذائقة العربية المرهفة والمعرفة لم يبرهنا هذا المقاربة البتة، فقد كان فحوى ومعاني ودلالات وإشارات واستعارات كتاب الله العزيز و(سجعه) تشتغل في حقل آخر مختلف تمام الاختلاف. إنكم تذكروننا بهذه القضية التي لم تطرأ لنا على بال من قبل، ونشكركم شكراً جزيلاً لأن درسها يمكن تعميمه على أي كلام منشق بالكلية عن رؤية كلام آخر حتى لو شاطره بعض العناصر الشكلية المحض

 

أثمن عالياُ، أيها الدكتور الفاضل، تعقيبكم الذي أتاح لي أن أقول وجهة نظري، وأتمنى أن نمرق جميعاً من (التعميم) إلى (التخصيص) ومن (الشكلاني) إلى (الجوهري) ومن (الفكرة) إلى (النص)، وهو أمر متاح لقلمكم الذهبي ولوعيكم العالي

جنيف 1-مارس 2002