شاكـر لعـيـبـي

ما هو الأدب الإيروتيكي؟

قبل السؤال عن طبيعة الأدب الإيروتيكي يتوجب السؤال عن المرأة المتحررة، وهو أمرٌ يدفع المرء دفعاً لكي يُعلن ما يعتمل في فكره بصراحة غير مرغوب بها. الوضوح في موضوعات كهذه هو شيء غير مسموح به دائماً في المجتمع العربي الذي يفضّل نوعا من (التقية) على طريقة بعض المذاهب الإسلامية التي تُعلن غير ما تُضمر.

 

إنه سؤال ملغوم، ويتوجب أخذ الأفكار الواردة هنا على محمل أكثر أريحية وغض الطرف قليلاً عن النبرة التقريرية الممكنة فيها.

 

يبدو أن نمطا نادراً من السيدات المتحررات قد أجرين فحصاً واعياً للأكذوبة الاجتماعية والروحية والأخلاقية المنزعجة من تحديهنّ، وإنْ كان طفيفاً، للمعيار السائد المصنوع وفق مواصفات سادةٍ من الذكور مشرّعي العُرْف. هؤلاء الذكور لم يفحصوا حتى مفهوم (الرجولة) بشكل كافٍ أكثر نبلاً وأصالةً وتماهياً مع مبادئ الكون الجوهرية وقوانينه الطبيعية.

 

ثمة سيدات يتمسكن بأنوثتهن بوصفها ميّزة وليست عيباً، ويتصرفنّ وفق ذلك. على أنهنّ مع ذلك يستهدين بالقوانين السلوكية والاجتماعية والثقافية التي تحكم الرجل العربي نفسه. ومما لا شك فيه فإنه يوجد فيما يتعلق بتصرفات الرجل العربي الكثير من قواعد (الاحترام) و(التفهّم) لمبادئ السلوك التقليدية المألوفة.

 

يبدو التحرر وكأنه دخولٌ في عالم فيزيقي تلقائي واندماج مع الطبيعة الأصلية الممنوحة للبشر، وليس انفلاتاً غير مسؤول، كما يعلم جميع الرجال (المتحررين!).

 

تظل علاقة الإنسان بجسده، ذكراً وأنثى، علاقة من الخصوصية بمكان، وليس من المستحب خدشها البتة. المرأة المتحرّرة المُفترضة لا تخضعْ لشروط العبودية وتقاليدها التاريخية التي تصير وكأنها قوانين نهائية لعبودية النساء جميعاً في مجتمعاتنا والتي لا تتطابق، عملياً، مع الوقائع الفعلية لما تقوم به النساء، في العلن غالباً، وفي السرَ في أحيان كثيرة أخرى.

 

لا أحد يحتمل تحرر المرأة في العالم العربي إلا نظرياً. الوجهة النظرية لا تكلّف سوى بساطة الكلام. غالبية الرجال العرب الذين نعرفهم ينطلقون عملياً من مبدأ بسيط للغاية ينطوي على هذه الأحبولة: إنني أدافع عن تحرر للمرأة شرط أن لا تكون زوجتي أو أختي أو ابنتي، وعندما سيتعلق الأمر بهاته النساء فلسوف أرى رأيي. ورأيه كما يعلم الجميع يندمج بعمق مع تقاليد موغلة في إيجاد أسباب ومسببات (تفرض) وتفترض الحدّ من أي تحرر، للمرأة أولاً وللرجل من قبلها وإن بدرجات.

ما يُرفض في الحقيقة هو (النديّة) في الطبع الإنساني. إن أبرز ممثلي (المجتمع) المدني الافتراضي المُدار من طرف الرجال، لا يطيق صبراً ولا يحتمل استيعاب فكرة الندية عبر مبرراتِ منطقٍ شكلانيٍ مفبركٍ في الغالب.

 

يرى فارضو قوانين العُرف الاجتماعي أن أية نزعة تحررية نسائية هي رديف للرذيلة، وهي فكرة لا تقوم الكثير من البراهين عليها، إلا قدر ما تقوم على سلوك البعض من الرجال ممن يسيئون استخدام الفسحات الواسعة الممنوحة لديهم. يظنّ الرجال بأن سيداتنا الجليلات وبناتنا العزيزات سيقمن بفعلٍ ملتبسٍ لو تهيأت لهنَّ مساحاتهم هم من الحرية. قد يكونون على صواب، وفي هذه الحالة فإنهم سيفرضون علينا هذه المرة تناقضَ منطقهم الداخلي المؤدي إلى القمع السافر لحرية الكائن الأنثوي، و(للحريات العامة) في نهاية المطاف.

 

ثمة (خوف داخلي) من الحرية القائمة على مبدأ الندية. هذه الأخيرة ليست معادلة رياضية، وإذا لم يجرِ حيازتها علناً وبالتراضي، فإن المجتمعات العربية تبرهن بما لا يدع مجالاً للشك بأنها، أي النديّة، تفرض نفسها بالسرّ ومن دون أي تراضٍ. من هنا كثرة الخفيّ والمستور، المشروع في نهاية المطاف، من علاقات الرجال والنساء العرب عبر التلفونات والأنترنيت. لا يمكن توصيف هذه المغامرات بالانحطاط، كما قد يقول البعض، وإنما يتوجب فهمها كآلية وكرغبة في تحقيق التحرّر الفعلي للمرأة والرجل كليهما، وإنْ كان تحرراً منافقاً ومن طراز خاص لا يرغب الاصطدام بأحدٍ.

 

بين (التحرر) و(الانحراف) ثمة الفارق نفسه بين القبلة الطاهرة على الشفة والقبلة الفاجرة على ذات الشفة. لكن ثمة قبل ذلك كله (الرضا الداخلي) العارف، القابع في كينونة الإنسان العميقة، بأن هذا الفعل من طينة الانحراف بينما ذاك الفعل من طينة التحرر الإيجابي. رضا لا يمكن إلا للثقافة وللانفتاح الحر للنساء على العالم أن يُنْضِجُاه على نار هادئة ويمنحاه هيئةً وشكلاً غير مُلْتَبِسين. الالتباس على أية حال يقع في جوهر الكينونة وهو موضوع آخر. لكن الرضا الداخلي المتيقن من أن سلوكاً معيناً إنما هو فعل بالغ الخطورة في مقابل سلوكٍ حرٍّ يحترم الرغائب البديهية، هو رضا لا يمكن أن ينبت في أرواح خاضعة لقمع مستمر عبر اللغات المنطوقة واللغات البصرية.

 

الكينونة مقموعة، بشكل خاص في العالم العربي، عبر أنساقٍ دلاليةٍ رمزيةٍ لا تقل أهمية عن الأنساق السافرة. ومن هذه الأنساق الرمزية ذات البعد السوسيولوجي نستطيع التأمل بفن تفصيل الأزياء وطريقة ارتدائها، بوضعيات الجلوس في الأماكن العامة، باستخدام العيون بصفتها (لغة إشارية) للتحايل على المحظور، كما باستخدام أعضاء الجسد الأخرى في الفضاء مثل وضع الساق على الساق أو طويهما بتحرُّج شديد أو بحياء بالغ واعتبار تلك الوضعية عورة من العورات.

 

هذه الأنساق والأنظمة الرمزية يمكن أن تكون بريئة وطفولية وتُشْعِر بالرضا والأنوثة، كما يمكن أن يُساء استخدامها بشكل ماجن. لا تتعارض الطهارة مع الأنوثة المتحررة التلقائية إذا لم تشع منها. بينما يطلع الانحراف من التقنين الذي يجعل كلِّ الدلالات والأنساق الرمزية (عيباً) وفجوراً عندما تستخدمها النساء على وجه الخصوص.

 

لا يعرف أحد في العالم العربي الكيفية الممكنة التي تؤول إلى خلق وعي جديد لصالح (امرأة متحررة) بالفعل، طالما أن البعض أو الأغلبية، خاصة المثقفة، تنطلق من منظومة من القيم التي لم يجر فحصها والتدقيق بها. الأمر متروك للسجالات حول موضوعات مثل هذا، كانت في بداية القرن الماضي مادة خصبة للحوار العنيف المفيد، مما قد يفتح كوّة لتفكير من طراز مختلف.

 

عندما يتعلق الأمر بالتحرر النسائي، لا تفضّل مجتمعاتنا العلاج الجذري بالأدوية الكيمياوية المضادة لسرطاناتها إلا بعد استفحال المرض، ولكنها تفضّل دوماً الأعشاب البلدية والطب الشعبي الهادئ الذي لم يُبَرْهَن بعد على نتائجه في حالات السرطان أو أنه يحتاج لزمن طويل لكي يبرهن على فاعليته الفارماكونية.

 

الأحبولة مُحْكَمة في زمن صعود الأصوليات وانفجار المعايير التقليدية بسبب غزو مفهومات الحداثة (غير المُرحب بها سوى على الصعيد التقني لوحده) وفي زمن إنهاء الطبقة الوسطى التي قادت كلها إلى تفكّك النسيج الاجتماعي الذي تشكل المرأة نصفه كما يعرف حتى أطفال الثقافة العربية اليوم.

 

ما هو الآن نصيب الأدب الإيروتيكي الذي تكتبه النساء العربيات (المتحررات) من ذلك كله؟

 

منذ أكثر من عقد من الزمن صرنا نواجه كتابة يقال لنا أنها من طبيعة أيروتيكية.

أظن أن الأمر يتعلق بموجة عارمة ستنطفئ حالما يشبع البعض فضولهم. موجة فيها لعب مشروع على المكبوت والمحرّم. لا أحد ضدّ ذلك إذا كُتب النصُّ بطريقة جمالية وإبداعية راقية. هذا الضرب من الكتابة محبذ وضروري لأنه يستثير المخبأ طويلا ويعلنه على خفر، ويعلن مشاعر سيدات طالما قمع قولهنّ لما هو بديهي في أرواحهنّ وأجسادهنّ. لكن هل لدينا شاعرة من طراز (غابريللا ميسترال) الحائزة على نوبل التي تقول الإيروتيكي بطريقة مختلفة عن بعض شاعراتنا العربيات:

 

"عندما ينحنون فوقي فكأنهم ينحنون على بئر عميق"

 

هذه واحدة من جملها عن عشاقها. لننظر إلى المعنى الغريب والجميل والإنساني الذي تتضمنه هذه العبارة الايروتيكية ظاهرياً. إن الفروق الدلالية كبيرة بين مستوى هذا القول وبين التلميحات النيئة للجسد أو المباضعة. لماذا يلحّ البعض في ثقافتنا على وجود ما نسميه (الشعر النسوي)؟ لم نجد مثيلاً لهذا التعبير في الثقافة الفرنسية مثلاً إلا ربما لدى متطرفات النسوية. أين هن متطرفات النسوية في بلداننا؟ أين هي النسوية قبل ذلك في بلداننا؟ لقد وصلت متأخرة وبتعبيراتها المطلبية العادية.

 

الأدب واحد. توجد في الغالب ضرورات سوسيولوجية لأن تكتب النساء أدباً مختلفاً في موضوعاته وربما في رؤيته. وهذا أمر آخر بديهي، ندعو إليه طالما يجب احترام الحدود بين عالمين فيزيقيين. كانت الاختلافات تقوم دائما حول حدود مشكلة (التابو) وطرائق المعالجة الفنية والجمالية. فما بين (الإيروتيكية) و(البورنوغرافية) ثمة بون شاسع. بين التعبير اللاعب على المكبوت من جهة  ومتعة النص أيا كان موضوعة من جهة أخرى ثمة فارق ليس هيناً. الضجيج الحاصل حول بعض الروايات التي تكتبها بعض الروائيات العربية لا يطلع من الأدب الصافي قدر ما يطلع من الفضيحة، ومن اللعب المجاني على المحرّم الاجتماعي وإثارة المكبوت طويلاً في المخيال الثقافي العربي. كنتُ أظن أنني وحدي من يعتقد ذلك حتى صرت أقرأ مؤخراً بشأن الروايات نفسها مقالات مريرة ساخطة على هذا الضرب من الكتابة. يكتب غازي الذيبة مثلاً في (الوطن القطرية، 27-6-2003): "وعلى جانب آخر، طنّتْ ورنّتْ أقلام وأجراس النقاد والقراء المتعمدين ودور النشر العربية التافهة ....لروايات كاتبة اسمها لمن يعرف اسمها جيدا (....)، وبدأت طبعات رواياتها تنهال الواحدة تلو الأخرى، من ذاكرة الجسد إلى عابر سرير، ضاربة على وتر حساس من أوتار الغريزة، ومحققة عبر من يروجون لها حضوراً، قتل الكثير من سعاة الكتابة الفعلية في أدبنا العربي، صحيح أن (فلانة) هذه، لا تستحق أن تنتشر كما هي عليه الآن، لكن من الجيد الاعتراف هنا بأنها تمكنت من كشف عورة دور النشر العربية، وسُخْفِ نقّادنا بل وتفاهتهم، لأنهم استقبلوها بالأحضان والقبل النقدية وليس بالنقد، اخرجوا من بطونهم كل ما يغلي من رغبات (...) ودبجوها مقالات ودراسات تمتدح جرأة امرأة في سن اليأس الإبداعي أصلاً". وفي مقابلة مع د. عالية شعيب في (الأهرام العربي، 2 آب 2003)  تقول في رد على سؤال فيما إذا كانت الكاتبة المذكورة أعلاه أفضل قاصة عربية تجيب: "مستحيل‏، إلا إذا كان المعيار شكلها وجمالها. شخصيا لا أقرأ لها‏، ولا أحب ما تكتبه‏، أشعر بملل شديد حين أحاول أن أقرأ شيئا لها‏، رغم أنني لا أعرفها شخصيا‏ً، أما عن روايتها‏،‏ فهي فاشلة وتافهة ومملة وساذجة‏، ونالت شهرة. لا تستحقها. أما رواية عابر سرير قلت لنفسي ربما سأجد فيها شيئا جديدا‏ً، ولكنها ـ للأسف ـ كانت أيضا مقززة‏، ومفتعلة‏، وبعد قراءة عدد من الصفحات وضعتها علي الرصيف لأي عابر سبيل‏".

 

ومن الواضح بأننا لا نمتلك هنا موقفاً سلبياً من الكاتبة المذكورة قدر ما تعنينا كتابتها الروائية ضمن الظاهرة الموصوفة.

 

 كلّ (تابو) في الكتابة والحياة يبقى قليل الشأن، ولا يستطيع مدّ الكتابة والحياة بشروط حياتهما السرية. تبدو قاعدة احترام الكاتب قوانين الإبداع العتيقة جدا هي القاعدة الذهبية الوحيدة المعروفة قبل أي قاعدة وفوق أي موضوع مُعالَج إيروتيكيا كان أم دينياً. من أجمل الروايات التي يمكن قراءتها هي رواية للكاتب الأمريكي اللاتيني (يوسا) وعنوانها (في مديح الخالات)- دار الانتشار العربي، وهي واحدة من القمم الايروتيكية في تقديري، لأنها مشغولة ببناء مركّب ومكتوبة بلغة ساطعة. الايروتيكية لها طعم آخر في هذه الرواية ونحن نهجس أنها تريد أن تقول شيئا آخر أكثر عمقاً عن معضلة الكائن البشري. ومثلها مثل رواية (في مديح النساء الأكبر سناً) لستيفن فيزينشيي وقد صدرت بدورها عن الدار المذكورة أعلاه. إنهما روايتان أبعد في الإيروتيكية من الكتابات المباشرة الجسورة للبعض من صديقاتنا العربيات. إننا ندعو إلى التخلص من المكبوت ونأمل. الكتابة هي شكل من أشكال الانعتاق والخلاص حتى بمعناه الديني المسيحي. الكتابة لا تُنافِق. الكتابة تطهّر الجسد حتى عند الكتابة عن الجسد نفسه في أكثر ألاعيبه شيطانية وألماً شبقياً. هل يتوجب علينا جميعا أن نقرأ من جديد كتاب ابن حزم الأندلسي (طوق الحمامة) ولا ننسى تتمته (في الإلف والالاف)؟.