Shaker Laibi

الواحد والمتعدد في الثقافة العربية

 

شاكر لعـيـبـي

 

في معرض التساؤل عن محنة الثقافة العربية يبدو وكأننا مطالبون باستعادة البداهة : إن ما قاد إلى محنتها الراهنة ليس المثقفون العرب وإنما طريقة استخدام الثقافة من أطراف عدة. هذه الأخيرة مازالت تخضع العمل الإبداعي لمهمات ليست من مهماته وتدمج بين الثقافة والتهافت الإعلامي. السبيل الوحيد، على ما يبدو، لإنقاذ ثقافة من الثقافات هو احترامها وتقدير مبدعيها

ثمة تعارض جوهري بين ما يريد أي نسقٍ سابقٍ ومتعالٍ على الثقافة وبين المتطلبات الداخلية للثقافة نفسها. هذا التعارض ليس بالعابر في العالم العربي ولا تحله النوايا ولا الإرادات. لن يتنازل، أكاد أقول أبداً، طرف من الأطراف لصالح رؤية الآخر، لأنه ليس من إمكانية على مساومة عقلانية في هذا المجال، لأنه لو فعل فالمسألة ستتعلق بمصيره: بالنسبة للنسق المعرفي الـمـسيَّـد، سيتعلق الأمر بوجوده الأيديولوجي القائم على تزييف الوعي والنكوص بالإبداع إلى مستوى الماكنة الذليلة، ويتعلق الأمر بالنسبة للثقافة الحقيقة المفترضة التي نتكلم عنها بإمكانيتها الوحيدة على الوجود القائمة على المساءلات والفرضيات وتـقليـبـها من الوجوه كلها وهو الأمر غير المسموح به كثيراً

 

يخيـّل إلينا إن أية الثقافة لن يهددها الضياع والتشرذم، تحت وطأة أيما ظروف، إذا ما كانت تتماسك من الداخل برؤيا عميقة ما، خاصة برؤية لماذا تختار منفى الإبداع وخصوصية أرضه. إن اتساع رقعة المعبرين عن أنفسهم اليوم عبر الكتابة من العرب، وما يبدو اختلاط حابـهلم بنابلهم، فكرياً وسياسياً، وازدهار بيوتات الثقافة ودور النشر ومختلف وسائل التعبير (وبعضها جديد كلياً على البعض) لا يعلن ظاهرة مرضية قدر ما يعلن عن حاجة دفينة لدى العرب جميعاً للتعبير عما لم يستطع التعبير عنه النسق ذاك. إن التوترات الحاصلة والإلغاءات وإشاحة الوجه عن رأي الآخر أو حتى نفيه المطلق أو نقده القاسي هي تعبير آخر عن المكبوت التاريخي في العالم العربي الحديث

ما يعقّد المسألة برمتها أن ثمة في الوعي الاجتماعي العربي، في الأنساق السائدة كما لدى مناوئيها، نوعاً من القسوة. إن العنف الاجتماعي الحاضر يقينا حتى في حياتنا اليومية يعاود الطلوع، بسرعة، أثناء الممارسات السياسية والثقافية، صراحة فيما يتعلق بالأولى وخفية لدى الثانية. إننا نتناسى أن المجتمع العربي ما زال في الغالب الأعم مجتمعاً حديث النشوء وان الدولة نفسها بمعناها المعاصر، الدولة القائمة على مبدأ المساواة أمام القانون والتي تفرض واجبات وحقوق متطابقة بالنسبة لجميع الفئات هي حالة جديدة في الثقافة العربية. إن تداخل الأنساق القديمة والجديدة من السُلـَط وتعارضاتها الداخلية قد عوقت تطويراً مدينياً لدينا إلى أبعد الحدود

وفي الحقيقة فإننا عندما نتحدث عن الثقافة العربية فإننا نتحدث جوهرياً عن ظاهرة ثقافية عامة يمكن أن تمس أي مجتمع يعيش نفس الظروف، ظاهرة تسمح لها فحسب الظروف العربية المحددة بأن تبرز جلية للعيان، وبأن تتجلى وتتضخم وتأخذ بعدا يبدو انه محض عربي

 

ثمة لدينا ثقافات سنطلق عليها مجازاً (بالثقافات المغايرة). أنها تعاني، هي بدورها، من عللِ المجتمع العربي نفسه طالما أنها نتاج شرعي له. لنلاحظ أن هذه الثقافات الأحدث سناً قد خرجت إلى المنافي وهي تحمل في حقيبتها لغة وتصورات وعناد وجموح وتطرف بعض فئات مجتمعاتنا الأكثر عناداً وجموحاً. هذه الثقافات الجديدة لم تخرج عن الإجماع، أو ما يعتبر إجماعاً في المعرفة والكتابة، إلا لأنها تتشبث بمشروعية الحلم. هذه الحلم ليس واحداً بل أنه متعدد ومنشطر على نفسه بسبب الطبيعة الجدالية والسجالية للعمل الثقافي نفسه. لقد جرى على الدوام تشويه صورة كل حلم مختلف في العالم العربي. وهو تشويه يستهدف أمرين اثنين: تقديم هذه الثقافات لوحدها من بين جميع الثقافات المغايرة لدى الشعوب الأخرى كأنها الوحيدة المنقسمة على نفسها، المتشرذمة والمنشطرة انشطاراً لا شفاء منه، وهو أمر لا يبرهنه الواقع، فلدى جميع شعوب المعمورة ثقافات في غاية التفارق والتناقض والتصارع. خذ الثقافة الفرنسية مثلاً التي نجد فيها تعايشات سلمية بين الثقافة الكاثوليكية والماركسية وما بعد الحداثية وما نشاء

 

وبدلاً من أن يُرى في بذرة التعددية الثقافة العربية بارقة خير كونها تدل على تعددية المجتمعات العربية واختلافها من الزوايا الإثنية والفكرية والطبقية، فانه يجري رؤية تعددها بوصفه تشرذماً وانسلاخاً من المسؤولية. من جهة أخرى، بدلاً من رؤية تلك الأطراف التاريخية، الفعلية، الفاعلة على الأرض في الثقافات العربية، فأنه يجري دمج هذه الأخيرة مع أسوأ ما ثقافتنا من تيارات فكرية ونظرية هشة. هذا الخلط يستهدف نفي تاريخ الثقافة العربية الحديث الطالع من عصر نهضتها، وابتذال وجوده ومن ثم إدراجه في المشاريع الهادفة إلى التآمر على وجود الكائن العربي. كما أن الهدف البعيد من عدم رؤية النبيل والجميل في ثقافتنا وخلط أخضرها بيابسها هو الإيحاء بأنها غير قادرة على تقديم بديل معقول للحظتنا الراهنة، المقلقة والمريضة، السائدة. إنها متهمة بكونها مَـخـْصِـيـَّة وعقيمة، بينما الأنساق الثابتة والمعروفة لوحدها هو من يخصِّب التاريخ ويمنح الكرامة والاستمرارية الإنسانية

ما يمكن أن يفعله المثقفون في هذا السياق وما قد فعلوه على الدوام هو الإصرار على الفعل الإبداعي الذي هو شرطهم، هو أن يـتـأبـدوا في الكتابة وفي عملية الخلق الفني، وفي مواصلة النقد، والذهاب بعيداً في مشروع وجودي وأخلاقي كان وما زال يتعارض مع المشروعات السياسية الآنية، المحفوفة بالمزالق والمصالحات غير الضرورية

 

Slaibi@perso.ch