Shaker Laibi

موت السجال في الثقافة العربية

شاكر لعـيـبـي

 

لم تثبت البراهين بعد على (موت التاريخ) كما يريد المنظرون المفكرون نيابة عن سادة العالم، ولكن غياب السجال في الثقافة العربية يبدو وكأنه بداهة تُعشي العيون

ما هو السجال ؟

السجال هو حوار جدي، من وجهات نظر مختلفة إلى العالم إذا لم نقل متناقضة، حول نقاط ثقافية وفكرية جوهرية، يدفع في نهاية المطاف إلى تطوير المفاهيم والمواقف ويؤدي إلى إنضاج الحقل المفحوص، وإلى ازدهار الثقافة كلها

لو نظرنا إلى الثقافة العربية بدءاً من سنوات الثلاثينات وصولاً إلى بداية السبعينات لالتقينا بظاهرة هذا السجال المفيد حول السفور والتحجب، حول الشعر الحديث، حول الشيوعية، حول التراث، حول الحداثة في أوربا، حول التكنولوجيا، حول تجديد الفكر الديني..إلخ

 

سجال كان يذهب من موقف إلى آخر مناهض، ومن تطرف إلى تطرف، وساهمت به جميع الأقلام تقريباً: الرجعية والتقدمية، اليمين واليسار، الهامشيون في الثقافة والراسخون في المؤسسات، المجددون والحداثيون، العمائم والأفندية، كما ساهمت فيه النخب المثقفة وجماعات أنصاف المتعلمين والقراء أنفسهم

كان يبدو وكأن هناك اهتزاز عميق في الوعي العربي، كأن هناك بحث مستمر عن الذات، كأن هناك توق لمعرفة الأشياء والظواهر من جوانبها كلها كانت يدفع دفعاً إلى مثل ذاك السجال الضروري

لم يكن هذا السجال هادئاً دائماً وعقلانياً على الدوام، وشهد توترات وهجومات وتخوينات وردود أفعال متشنجة، سوى أنه إجمالاً كان يذهب باتجاه فحص الظاهرة المعينة من جوانبها ومن وجهات نظر متفارقة

كان للنخب الثقافية وللقراء دور محدد لكي يلعبانه، لم يعد صالحاً، على ما يبدو، اليوم. لقد اختلطت الأوراق وبرزت إلى الساحة تكوينات ومخلوقات فكرية عجيبة قليلاً وُلدت في رحم غير طبيعي. وشهدت طفرات لا تفعل سوى تشويه السجال إذا لم نقل الغاءه، وذلك لسبب بسيط أنه ليس في صالح حضورها الملتبس ذلك : إنه يسائلها ويحاكمها بمنطق العاقل ويرجعها إلى أماكنها الحقيقية

منذ السبعينات ستشهد ساحاتنا الثقافية العربية انطفاءً للسجال، لأن صعود تلكم القوى الهجينة قد طرح مشكلة السجال كلها وكأنها محض مراوحة في مكان ثابت، وحول نقاط محددة جرى تقليص مساحتها المرة بعد المرة، وجرى مراقبة أنفاسها كلمة كلمة ومصطلحاً مصطلحاً، كما جرى مراقبة وتقييد قائليها والشك بهم كمارقين عن القواعد النهائية للموضوعات المباحة

إن الرقابة المتعسفة ستحل محل السجال الحيوي، وإن الغيّ سيحل محل ضرورة حوار سجالي سيكون ترسيخه جد مفيد في تطوير مفاصل الحياة

تصير الكتابة في جو الرقابة الثقافية وفي أجواء البحبوحة الاقتصادية نوعاً من الترف، نوعاً من البلاغة الكلاسيكية التي تحوك على منوال منمّط ويُلغى السجال في النهاية لصالح الهرطقة الكلامية. إن مجرد التنويع على أنساق لغوية ومفهومية جاهزة هو ببساطة موت مطبق للسجال. إنه يشابه حلول أسوأ أنواع السجع في النثر العربي المتأخر محل نثر أبي الحيان التوحيدي وأستاذه الجاحظ. نثرهما ينطوي على الفكر المعتزلي العقلاني بينما السجع المتأخر فينطوي على إلغاء ضمني للفكر بكل ضروبه

 

هكذا سيموت السجال رويداً رويداً

 

ستتعمق الظاهرة بالصعود الدرامي لكل أنواع الكتبة والمستفيدين من حرفة الكتابة والطفيليين عليها الذين سيهجمون هجمة رجل واحد على الثقافة العربية، متلبسين أقنعة (المفكـِّر) و(المنظـِّر) و(الفيلسوف) في حقول التاريخ والجغرافيا دون امتلاك الأدوات اللازمة للقيام بدور جليل مثل ذاك. إنهم يهجمون بسبب غيبوبة وعي الفكر والمفكرين وتراجعهما لأسباب موضوعية هي بدورها وتتعلق بالهجوم المماثل للغرب الأورو- أمريكي على الفكر العربي المتنور الذي لم تَرِد أوربا ولا أمريكا رؤية حضوره، مشجعة أنماط التخلف والتجهيل وتفعيلها في السلطات السياسية العاملة وفي السلطات الثقافية الرمزية

لقد صمت قليلاً مثقفو العرب مفسحين المجال للكتبة. هذا الصمت مُدان إلى النهاية رغم معرفتنا بالحدود الحقيقية للفعل التأملي أزاء الفعل الفاعل. إن أسلحة الفكر ليست الأسلحة الأخرى وهو أمر يعطي المشهد بعداً درامياً

سنتواجه إذن في سنوات الثمانينات والتسعينات وفي الألفية الثانية أمام (موت السجال) في الثقافة العربية. لم نعد نشهد حماساً، من هذا الطرف أو ذاك لهذا الجانب أو ذاك الجانب المعارض في المشهد الثقافي. ثمة فحسب (الأنماط) الجاهزة للفكر، ثمة الـموظة الثقافية، ثمة استعادات لا نهائية في الصحافة للمقولات ذاتها وللمناهج نفسها، ثمة تسرّع في القول وهوج في الكلام، ثمة النقد الصحفي الباهت، ثمة المهرجون في الكتابة والحُواة في الشعر والمرتزقة في الصحافة

أما (كبار) المثقفين العرب فقد اختلقوا يوماً بعد يوم مساحة بينهم وبين هذا الخرق الكلامي، لكأنهم يودون التسامي عن المشهد لاعبين دوراً رسولياً لم يتهيئوا له وليس من الطينة ذاتها (لعظمتهم). لقد منحت ثقافتنا المجد لهم لأنهم أسسوا اللبنات الأولى في صرح المعرفة وضمن سياق التخلف، وليس لسبب غامضٍ أو جنيني قابع في الدم. إنهم يبتعدون اليوم عن هذا الصرح وذاك السياق، متوهمين الأوهام، غير سامحين بحضور سجال آخر من طبيعة مناهضة لنمط سجالاتهم التاريخية القديمة

 

الجميع يساهم بموت السجال للأسف الشديد

العودة الى صفحة المقالات