شاكر لعـيـبـي

لمحة في تاريخ فن الكاريكاتور الأوربي

www.perso.ch/slaibi

 

ان تحديد تاريخ دقيق لظهور فن الكاريكاتور في العالم بوصفه نوعاً فنياً هو أمر غير أكيد. تحتفظ المتاحف العالمية بالقليل جداً من المنحوتات اليونانية والرومانية التي نستطيع فيها تلمس نزعة من التصوير الساخر، المُبالغ فيه، الخارج عن قانون الجمال اليوناني الباحث عن التكامل بين أعضاء الجسد البشري التي تقربها كلها من فن الكاريكاتور. تقرِّبها فقط ولا تُدْرجها بالفعل في سياق نوع فني جديد سينبثق، من دون شك، بعد قروال طوال.

لقد ظهر الكاريكاتور كنوع فني متميز يستهدف النقد الإجتماعي والسياسي في أوربا في القرن السابع عشر.

من المفيد أن نتعرف على الأصل اللغوي لكلمة (كاريكاتور). انها تجيء من الفعل اللاتيني (caricare كاريكاره) الذي يعني حرفياً (يغـيـِّر). وفي الحقيقة فان هذا المعنى يستجيب الى وظيفة الكاريكتور التي هي تغيير سمات الوجه، تضخيمها أو تصغيرها بشكل مفرط، أي تغييرها في نهاية المطاف.

نستطيع اعتبار كل من آنابال كاراسي Caracci (ولد في مدينة بولونيا الإيطالية سنة 1560 ومات في روما سنة 1609) وبرنيني Bernini هما الرائدان الحقيقان لهذا الفن.

في فن كاراسي ثمة جانب شكلي يتبدى للعيان في اعماله الكارايكاتورية الرائدة وفي اعماله الوصفية الأولى وكلها تقوم على أساس المراقبة الحاذقة للموضوع والمعالجة الحرة كما هو الحال في عمله (دكان القصاب) الموجدود في كنيسة المسيح في أكسفورد.

لكن برنيني هو من أدخل الكاريكاتور الى فرنسا أثناء رحلة قام بها سنة 1665.

سوى ان أول رسام مارس فن الكاريكاتور بشكل محترف كان، من دون شك، بيير ليون غيتزي (1674-1755) الذي كان يتاجر بشكل حر في رسوماته الكاريكاتورية في مدينة روما في وقت لم يكن يُنظر الى هذا الفن بعين الرضا. هذ الفنان ليس بالطبع فنان كاريكاتور بل انه كان معروفاً بسبب أعماله في الكنائس الرومانية وفي جدارياته الموجودة في عدة فيللات ايطالية كما بسبب سلسلة من الرسوم الزيتية في بعض الأضرحة المسيحية. حديثاً فحسب جرى الإنتباه الى أهمية اعمال أخرى شبيهة بتلك لكن مرسومة على القماش لم يعرضها لأنها كانت من مقتنياته الشخصية. ان معالجاته التشكيلية الخاصة به تتكرر بإلحاح في أعمال عدة ، وان السمات العامة لرسمه ومواقف الشخوص وطريقة معالجته لطيات الثياب تعاود الظهور بقوة في رسمه الكاريكاتوري.

في وقت سابق كان ليونارد دافنشي يمارس بدوره نوعاً من رسم يمكن مقاربته بالكاريكاتور نراه في تخطيطاته التي تصور ما هو (قبيح) وفي دراساته التخطيطية لتعابير الوجه وعضلاته.

لقد جرى نسيان فن الكاريكاتور طيلة القرن الثامن عشر بسبب ما يبدو وكأنه أنهاك وتعب الفنانين الأوربيين من هذا النوع التعبيري. سوى ان نهايات الثامن عشر وطيلة فترة القرن التاسع عشر قد شهدت العصر الذهبي الحقيقي لهذا الفن، ذلك ان المتغيرات السياسية المتسارعة في أوربا كانت تؤجج النزعات التهكمية لدى الفنانين. وقد نجم عن هذه النـزوع الساخر المعمم العديد من الجرائد الفكاهية التي كانت تستهدف خاصة الرؤساء في فرنسا وإنكلترا.

فالجريدة الإسبوعية (الكاريكاتور La Caricature) تأسست سنة 1830 من قبل شارل فيليبون. هذا الرجل ساهم في تطوير فن الكاريكتور بشكل ملموس في أوربا والعالم. ولد فيليبون في مدينة ليون عام 1802 وتوفي في باريس عام 1862. وهو فنان على تقنية الطباعة الحجرية (أو الليثوغرافيا) وناشر وصحفي. سنة 1820 دخل مدرسة الفنون الجميلة في باريس ودرس الفن على يد إنطوان-جان كرو. وسرعان ما استدعاه والده الى ليون لكي يشرف على مصالح العائلة. لكنه عاد الى باريس سنة 1823 واستقر بها نهائياً. ثم ابتدأ يرسم الكاريكاتور لكي يعتاش منه. كان الرجل حرفياً ممتازاً ويمتلك حساسية فكاهية لا تضاهى. وكان بالإضافة الى روح المثابرة والطاقة الحديدية صاحب مواقف سياسية جمهورية صارمة. في سنة 1830 أصدر فيليبون جريدته السياسية الساخرة (الكاريكاتور). كانت مسيرة الجريدة قصيرة ومضطربة. بعد فترة من النشاط الشرعي، عُلِّق صدورها سنة 1835. اثناء تلك الفترة نشر فيليبون، سنة 1732، ورقة يومية تتضمن، يومياً، كاريكاتوراً جديداً تحمل إسم (الشاريفاري Le Charivari) التي ستصير في السنوات التالية عرّابة للجريدة البريطانية Punch التي كانت تضع عنواناً فرعياً لها هو (الشاريفاري الللندنية). سنة 1838 عاودت (الكاريكاتور)ظهورها الحذر وقصير العمر تحت عنوان (الكاريكاتور المؤقت). سوى ان مطبوعة فيليبون المهمة اللاحقة كانت (جريدة من أجل الضحك) التي ستغير اسمها فيما بعد الى (الجريدة المسلية) والتي ظهرت سنة 1848 بقطع الجرائد العريض الذي نعرفه. والى جانب هذه المطبوعات أصدر فيليبون العديد من منشورات المناسبات مثل (متحف فيليبون) و(Les Robert Macaires) و(الفسيولوجيات) وعدة كراريس سياسية.

ان افضل أعمال فيليبون التشكيلية كانت رسما يحمل عنوان (التغيرات المتعاقبة لملك فرنسا لويس-فيليب) ويتكون من 4 تخطيطات نُفذت كلها سنة 1831 على ما يُعتقد وتبدأ ببورتريه دقيق للملك لويس-فيليب (1830-1848) الذي سيتحول وجهه في الرسومات الثلاثة الاخرى الى ثمرة الكمثرى. الكمثرى كرمز للين والنعومة صار رمزا للملك البدين، ولاقى نجاحاً سريعاً. كان لويس-فيليب المسمى الملك المواطن هدفاً مفضلاً لرسامي الكاريكاتور جمهوريي الاتجاه السياسي الى الوقت الذي فُرضت فيه الرقابة الاعلامية في شهر سبتمبر من سنة 1835.

كانت الإسبوعية (الكاريكاتور) تنشر لكبار فناني الكاريكاتور يومها أمثال ترافييس Traviès وغرنفيل Granville الذي سيلحظ بسرعة الرسام الفرنسي المشهور أونوريه دومييه موهبته الفائقة وطرافته الحادة.

في العام ذاته شهدت مدينة لندن ظهور (الصحيفة الشهرية للكاريكاتور Monthly Sheet of Caricatures) وهي جريدة شهرية كانت تُطبع وفق تقنيات الطباعة الحجرية. أما (بونش Punch) فقد تأسست سنة 1841 وهي تستمر الى يومنا كرمز بارز لروح السخرية البريطانية.

كما وُلدت جرائد أخرى في أماكن عديدة من أوربا: في مدينة تورينو الإيطالية (إيلفشييتو Il Fischietto)، في باريس (الضحك Le Rire)، في لندن (الكتاب الأصفر Yellow Book)، في ميونخ الألمانية (تبسيط Simplicissimus)، وفي نيويورك (الحاكم Judge) وكانت هذه الصحافة تستخدم في غالبيتها تقنيات الطباعة الميكانيكية.

ثمة فنانين يمكن الإستشهاد بهم بوصفهم فناني كاريكاتور مثل توماس ناست، جورج بيلوز، جون سلوان، فورين، غاران داش، بييربوم، أس. دي. غيبسون، وحتى الرسام المشهور تولوز لوتريك وكلهم عاشوا بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وهو ما سنعود اليه بالتفصيل.


 

ثلاث أعمال للفنان الفرنسي دومييه


 

 

 


 

اليمين: عمل الفنان كارجات.