حسرة الياقوت في حصار بيروت

تأليف

شاكر بن لـعـيـبـي التميمي البغدادي

(ولد سنة 1375 هـ)

 

آخر عين رمقتني، بعتاب، قبل خروجي إلى لبنان كانت عين أمي. بعدها حدَّقتْ بي عيونٌ كثيرة في السهل والجبل، عيون جدَّاحةٌ وأخرى أكثر براً. من الغريب أنني كنت أخرج إلى لبنان لكنني كنت أجد نفسي في فلسطين، أو في بلد هو في رحمة وطيبة واسترخاء لبنان، وفي آن واحد، في نبل وشطط وفروسية وكرم فلسطين. هذه هي بيروت بالنسبة لي سنة 1980 عندما هبطتُ أجرجر بقدمي غرين الزابين قرب مقهى (أم نبيل) في الفاكهاني. كان (جسر الكولا) أول ما طالعني وقربه كومة من التراب. هل هي يا ترى أول متاريس الحرب؟ كان عمري 25 عاماً

من الإندغام الودي بالبحر، برخاء نسمات الجبل إلى الاندماج بالآدمي، بكل أنواع الكائن المنشق عن بداهات العالم العربي، ثمة أرض كانت مقلقة بقدر ما كانت متألقة. لم تكن القذائف اليومية تلك السنة سوى منشطات شيطانية للروح الوثاب

المشهد الصامت اللحظة لكن الملتمع في الذاكرة هو مشهدُ حيويةٍ تليق بشبيبةٍ جسورةٍ واقفةٍ على غصن حلمي يكاد ينكسر لفرط مائيته. مشهدُ غزالةٍ نافرةٍ، طافرةٍ في أحراش لبنان من أرياف فلسطين وأهوار العراق وقيظ الجزيرة. مشهد كرمة يجلس في ظلها المتحاورون في السياسة والأدب والمقاومة المسلحة، كما يجلس في فيئها الرطب كذلك أولئك المدمنون على قهقهات عالية مثل قهقهات (غيلان) الطالعة، ربما، من حشيشة بعلبك

عندما قادني شخص إلى بيت الفنان العراقي يوسف الناصر في (الفاكهاني) قرب الملعب البلدي، كان أول من طالعني أنف (ك.ع) المخرب. بعد ساعات وصل هاشم شفيق وكان يسكن غرفة في البيت وقفز عالياً من وطأة السعادة. كان ذلك الأنف المهشم القابع داخل قرنابيطة صغيرة اختصاراً بليغاً لحالة إخوتي العراقيين لحظتئذ

بعدها سنتلمس جميعاً الحيطان المدعومة بالدم، حيطان الفاكهاني التي هي الجريدة التاريخية اللانهائية في امتدادها حيث تناوب الشهداء والقتلى بالمرور عليها كخطاطيف الليل ذوي العيون الفسفورية، بالمرور والانمحاء فيها من أجل أن يحلَّ شريطٌ أسود آخر وعيون واسعة أخرى محلها، إلى الأبد

لم تكن بيروت آنذاك عالماً صامتاً. كان صخب الأمواج المتحطمة في (الرملة البيضا) يتغلغل في روح السلاح الأسود المبعثر، الطائش في المكان

أخوَّة النسيم العليل كذلك المار على قنينة عرق في شرفة المنتشين في جنائنها المعلقة. أسنانهم ملتمعة، كذئاب، وعيونهم باتساع عيون الأرباب الرافدينيين وقلوبهم تعبق بالبارود

بعد أيام قلائل سيطلع لي زكريا محمد بذات الشعرات البيض في رأسه وبعين الابتسامة المائية الثابتة نهائياً على وجهه، بالضبط كما طلع لي مرة في (مقهى البرلمان) في بغداد السبعينية

ثم سألتقي بزهير الجزائري في ممر في محلة (الطريق الجديدة) وسيحتضنني بشدة وبفرح غامر وكان وكأن حضوره الشخصي يزداد، حرفياً، بحضوري

ثم ثمة أطلال أبي الهول، وملاحم أبي الجماجم التي لم يكن قد سمع بها بعد أطفال العالم، يمران (من هنا..) كما مررنا من هناك

بعدها ستقودني ذراع الفلسطينية الصيدلانية (عايدة) إلى المخيم حيث ولدت وحيث لم تتخل بالونات الأولاد عن ألوانها رغم هدير العواصف. كنا نحوك مشروعاً شخصياً حبياً لم يتحقق أبداً وكنا نذهب كذلك إلى شواطيء الرملة للإستحمام. كانت ترتدي مايوهاً من قطعة واحدة. مرة ضرب الموج صدرها فانفلتت رمانته سخيةً مع الماء وكانت تمط المايوه من أجل تغطيتها على خفر

لماذا لا أرى إلا فصلاً مشمساً أطول من حبل غسيل جاري الحلاق في (نزلة أبو شاكر) عند المرابطين، فصلاً ربيعياً على وجه الدقة، حيث الشجرة وحيدة على الجبل المجاور لكن دائمة الخضرة، هو من يهيمن على المناخ البيروتي. حتى العوانس اللواتي يدخنَّ النارجيلات بين صليتين من صليات الكلاشنكوف يبدون الآن أكثر حسناً من جميع ربات الحسن في العالم

اشتغلت في النهاية في جريدة (فلسطين الثورة). أتذكر على وجه الخصوص النبرة الموسيقية الميلودرامية في صوت المحررين واستعيد الأسنان الصفراء (لعصفور) التي لن تلمعها ذاكرتي رغم جسارته فيما بعد في محاورة المفاوض التلمودي ذي الأسنان الأكثر التماعاً من شتاء الدببة القطبية

كانت الأشياء تتلبس بساطة غضار صيني

الأشياء مدوَّرةٌ حتى لو سقطت قذيفة مكورة على صحنك الدائري ذات صباح رائع وأنت تأكل (مقلوبة) في (مقهى أم نبيل). أو حتى لو كنتَ لا تأكل شيئاً البتة عند صديقي الشاعر والمترجم (جاك الأسْوَد) قرب الجامعة الأمريكية، ليس بعيداً عن (مرّوش). الرائحة رائحة مخلل لاذع في كل مكان

وهناك السادة في الطوابق العالية: مكتب (أبو أياد) الذي خرمته القذائف الطالعة دون توقف من الظلمات على نهار بيروت الصيفي، والبناية التي كان يقع فيها مكتب (أبو جهاد) التي رأيتها بعد الحصار مثلمة من كل صوب. وبنايات القياديين الآخرين التي انطوى البعض منها الواحد على كتف الآخر مثل أوراق مجلد عتيق محترق. أما غاليري الفن التشكيلي الفلسطيني أمام (جامعة بيروت العربية) فقد اختفى تماماً تحت ثقل ركام الجدران المجاورة

كان عقد الحبيبة ينفرط ذات مساء حربي كئيب على السرير المخملي

أية رحمة في قلوب اللبنانيين لكي يحتملوا وطأة القلب العربي الكبير المصاب بالآهة، لكي يستوعبوا شذاذ الآفاق، النمرة المستفزون المطرودون من الغابة العربية، الحكـَّاؤن ذوي الخرافات، الغواة. أي حنان في فؤاد ذلك الجزء الغربي الذي لم تكن تغرب عنه شمس الكائن الحر

بالنسبة لطائر صغير القلب لم يهاجر البتة مثلي هجرات موسمية فالوقت كان وقت العين المفتوحة كلية من أجل (معرفة) أحسن مغيبة عن فضائه الأصلي. من الجامعة الأمريكية إلى مقهى المودكا ومن (الأوزاعي) إلى (رأس بيروت) كنتُ أحرث أرضاً بكراً. كان بيت الشاعر أدونيس يقع في البناية المقابلة لآداب الجامعة اللبنانية في اليونسكو. ذات مساء سنحتسي خمرة عنده وسأحدق طويلاً في يديه المعشوشبتين خاصة. تحت تلك البناية كانت تقع (كافتيريا جورج) حيث كان الشاعر والأستاذ الجامعي رياض فاخوري يواظب على الطوفان في لجج الألسنية التي كانت جديدة نسبياً يومذاك على الثقافة العربية. صبية شقراء من سُنة بيروت أحبتني هناك وبنت درزية حدثتني عن عذريتها أنا الذي كدتُ أموت في الزغب المرفرف أعلى شفتها الرطبة المنتظرة

كان الهواء رحيماً في بيروت والغروب أصيلٌ جداً ونادر على الرغم من هذيانات الأسلحة

كان هاشماً صديقي في زلازل القلوب الأسيانة وشراكة المغامرة التي تقلق قلب الحسود. معاً كنا نذرع الأفق الغربي كله، كنا نمسحه بأعيننا وقلوبنا ذراعاً ذراعاً وزاوية زاوية، حتى أننا كنا نعدد من كان يرتاد تلك السينما الجنسية (تياترو) الواقعة على خطوط التماس التي كان يرتادها لبيدو الأمة العربية رغم عين (القناص) الأعور الوحيدة الـمُراقبة خلف ستارة سوداء كانت تخفي المارة عن سواد قلبه

كأنك في العذاب الذي تتأمله وتشهده في آن

كنتُ، والله، فتى غراً في عالمٍ من حُذاق العرب، ولم أكن أسيطر على مواهبي المفترضة. فعندما دعاني (ميشيل النمري) للعمل في مجلة (الموقف العربي) وافقتُ على الفور براتب أنحل من إبرة. كنت أجد في المكتب قبالتي حيدر حيدر ومن بعده غالب هلسا الذين كنت أسمع عنهم فحسب وأقرأ لـهم. كان هناك آخرون يسيصيرون أسماء لامعة بعد ذلك مثل المصرية سلوى البكر والسوري نوري الجراح وغيرهما.كنت قد تفتقتُ عن شهية أدبية وكنت أكتب بنهم في نقد الشعر والقصة حتى أن بعض دور النشر اللبنانية كانت تحاول غوايتي سراً للكتابة عن إصداراتها الجديدة مقابل أن تنشر لي مجموعة شعرية أو كتاباً. كنتُ غراً وفضلتُ أن تنشر لي (دار العودة) مجموعتي (نص النصوص الثلاثة). أحمد عويدات وأحمد عبد الرحمن الفلسطينيان هما من دعماني بالفعل مع قلة معدومة من الصحاب العراقيين

كنتُ غراً وكان الهواء عليلاً

 

كنا نتدافع في مكاتب الإغاثة، في ملاجيء الحزب الشيوعي اللبناني، في حدائق الأمريكية، في الشقق المكتظة بالعراقيين، في فنادق الدرجة الأولى، في مقرات الحزب القومي الإجتماعي السوري، في أروقة الصليب الأحمر الفلسطيني، في رأس بيروت الذي يشبه قلبها، في ريش الغراب قرب (برج حمودة)، في برج بابل، في (برج البراجنة)، في ضاحية العمائم التي تصد الريح، في برج الماء المنتصب في (الروشة)، قرب هنري ميللر في برج الجدي، في (كورنيش المزرعة) حيث باعة الخضار يصرخون في أحراشها القديمة من أجل لمعان جلدة الطماطم، (ساحة البربير) ثم (البسطا الفوقا) و(البسطا التحتا). نتدافع في العمى الواضح في كل بقعة يدب الناموس الصاحي فيها ويغفو الناسوت قرب أطلالها إلى الأبد

كانت القبلات تتساقط مني على خد عايدة والقنابل تتمرغ في التراب القريب من جبانة أسلافها في (مجدلين)

كنا، أبو فرح التي كانت ما تزال جد صغيرة، وأم فرح، يعني عدنان حسين وزوجته، وزهير الجزائري وآخر لا أتذكره اللحظة، قد سكنا في شقة كبيرة قرب (الملعب الرياضي). لسوف أمر على يافطة (دار الآداب) قرب جامعة بيروت العربية لكي أصعد عالياً إلى خرائب الملعب وأصل إلى البناية واصعد إلى الطابق السادس (أم كان الطابق السابع؟)، ومن الشرفة كنت أرى مرات أثناء الإشتباكات مع (الجبهة اللبنانية) إلى لهب القذائف القادمة من الشرق الهمجي لتحطيم الغرب الوثني. كان احتفالاً مهولاً للموت

لم تكن أسناني قد اصفرت بعد لفرط دخان السيكائر الذي سأبتعله ولم تكن أحراش الجبل حزينة

كانت السماء واطئة وكانت أصابع عذراوات لبنان يـمسسننها كل مرة يرغبن بذلك. وكنت أطلع لأرى حماسة (أبو أيوب) الباقي ديمقراطياً أبداً عندما وكان يسكن في (الخندق العميق)، وأرى إلى مشاريع السوريالية الشيوعية العربية التي لم تتحقق. من مكاتب الجبهة الديمقراطية إلى مكاتب (فتح) نحو مكاتب (أبو نضال) الخفية، من متاريس القبائل العتيدة في الضلال إلى سينما ريفولي، من ديك (النهار) إلى (السفير) الوطني، من ورشة الحدادة في الأزقة الخلفية التي نسيت أسماءها إلى ريش الغراب المتناثر في البقعة الجغرافية الضيقة، يكاد الكائن يطير

هبط آدم عندي ليلة في كهفي في (نزلة ابو شاكر)، آدم حاتم الواصل، هو وغيلان، إلى بيروت قبلنا جميعاً. هناك كنت أتقاسم ونوري الجراح الشطيرة واللغة العربية. كنت أستقبل هناك أيضاً صديقاً تونسياً هو هشام القروي، ومن ثم شاعراً عراقياً ملتحياً (م. غ) من أجل إخلاء الكهف له وأنثاه. كان أخو البنت جارتي اللبنانية حلاقاً كما قلت، وكانت آلاف المناشف المستخدمة في صالونه ومن شتى الألوان تمتد على حبل طويل، طويل إلى حد بدا لي غير معقول

لم تكن القذيفة قد استقرت بعد في أحشائي، وكان الخراب يلتقي بنقيضه في تلك الفنادق الراقية التي كانت المقاومة الفلسطينية تستقبل فيها ضيوفها من الأدباء والساسة العرب. (البوريفاج والكومودور) كانت تعبق بطعم رخاء وثراء وبهجة. التقيت وهاشم شفيق في (البوريفاج) نفسه أمل دنقل وكان قد طالع للتو عدداً من مجلة (البديل) التي نشرت قصيدتي (رثاء أور) وقال لي:

  1. هو أنت..؟

  2. لأنه كان قد أحبها. ما أحمق الموت

    لم تكن زوبعة الحصار قد أرعدتْ، والقنافذ لم تكن قد انفجرت بعد في شوارع العوانس والعذارى والحيارى والغرباء في بيروت

    كان غسان زقطان يطلع لك وزوجته الشركسية بأزرق الجينز الفاخر، ويداهمك على فودة طيب الله ثراه ورسمي ابو علي بين تصاعد الدخان في مقهى هامشي عُمِّد باسم (مقهى أبو شوارب) لأن صاحبه اللبناني الطيب (أبو علي)كان يمتلك شاربين نادراً ما شوهدا منذ سقوط الدولة العثمانية. كان يرتاد المقهى كذلك أنصار الألوية الحمراء وأرهابيي الرأسمالية المعاصرة، الألمانية واليابانية خاصة. وعلى ما يبدو فإن أحدى أجهزة المخابرات العربية قد فجرته في نهاية المطاف

    قليل من الحقيقة كان كافياً للجميع وقليل من التبغ للشعراء

    كان الهواء مالحاً في رئة (عايدة) التي كانت تصعِّد الآهات إلى فمي. مالحاً وحاذقاً. وكان يشابه ذلك الهواء الذي تزفره أمهاتنا الصابرات في غرفهن نصف المعتمة. كنت أريد ريحاً معبأة بعبق الحياة. كنا نريد، جميعاً، أغنية أخرى أقل حزناً وأكثر توتراً. كنا نسعى إلى إحلال أغنيات (فيروز) في الحياة الواقعية نفسها حيث الطفل الرمز المعشوق، شادي، لا يختفي في الحرش، في الموت. كنا نحب الحياة برعونة وكنا نحب بيروت رمزاً للحياة و(للحي - العضوي) العربي الممكن. سوى أن الأحبة كانوا يختفون بوضوح في أبر القنافذ إلى الأبد. وكان حصار بيروت، لذلك، أسوأ اللحظات في حياة مسعورة رغبت بالتهام عشبة الخلود

    كان الكلب يسعى حثيثاً كل يوم إلى شاطيء البحر الأبيض المتوسط لكي يعود ويقعى قرب السفح وديعاً. كان ثمة هجوم غروبي كاسح على شواطيء (الروشة) من طرف اللبنانيين القادمين بوابورات الغاز و(المكسرات) والكراسي النقالة الخفيفة والمرطبات والأطفال والعلكة وأرداف النساء، في مواجهة درامية مع البحر عند مغيب الشمس

    بعد الحصار كانت دمعتي تتحجر عند عتبات البنايات المهجورة التي كانت شرفاتها مسكونة بفساتين بنات مهجري الجنوب المقصوف بالقنابل العنقودية التلمودية السوداء

    كانت النعمة تتهدج في حروف الأب (جورج ابي خضر) في جريدة (النهار)، بينما كانت النعمة والنقمة كلاهما تترنحان في صوت (مارسيل خليفة) على أثير المرابطين أي (إذاعة صوت لبنان العربي) التي كانت تبث من (جامع جمال عبد الناصر) آخر أيام الحصار:

    "بيروت حزينه

    بيروت حزينه

    بيروت حزينه.."

    الأغنية التي لن يقولها لاحقاً في أية مناسبة أخرى

    لم يكن للإعتبار التقليدي اعتبارٌ. السيكائر مهربة والليرة ما زالت صاحية، الطماطم لماعة في السوق وعلى الأرصفة تتعايش التجارات والخسارات، باعة المفرد والجواسيس، الجميلات والمحجبات. في الفترة 1980-1982 كانت تغدو مقهى (...)، حسب شهادتي، مجمَّعاً للمثقفين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب. كانت تحتمي، بأمان، في ظل بناية شاهقة حديثة تعود لبنك أحسبه البنك اللبناني-السوفياتي. لم أشاهد أبداً بنكاً سوفياتياً طيلة حياتي إلا في ذلك الموقع

    كنتُ أتخذ مسافة ضرورية مع ثقافتي العراقية، وأدخل قانعاً في الروح الشامي.

    الصحفية فاطمة المحسن كانت قد انفصلتْ للتو من زوجها الأول واجدة في بيروت أفقاً روحياً جديداً لها سيتفتق بعد سنوات عن ناقدة وناقدة. العراقيون سيتابعون الخسارات الشخصية والطلاقات بنجاح باهر مع تصاعد حدة الأقاويل المرحة والشبقة الطالعة خبط عشواء. الشاعر سليم بركات كان يحتسي، بأمان، كحوله اليومي في مشرب (علاء الدين) الذي كان يديره رجل من الشعبية.صادق الصائغ كان يسكن بناية بركات ذاتها وكان يجاهد في إصدار (البديل) عندما كانت رصاصة قادمة من الكون المحدب تتجول في غرفة عمله. كان العراقيون يطبعون لدى (الديمقراطية) وينامون في بناياتها مثل الشاعر الشعبي أبو سرحان والمسرحي كاظم الخالدي المختفين للأبد لدى (القوات الللبنانية) لدى محاولاتهما الخروج أواخر أيام الحصار نحو الشام. كان العراقيون ينتمون إلى الحزب الشيوعي العراقي وأحزاب مشابهة أخرى. رياض النعماني ومحيي الأشيقر كانا يصعِّدان لغة حماسية من أجل الفورانات التي ستقلب مسارات الكواكب العمياء. الفتيات العراقيات كنَّ يخرجن للتو من الحمَّام البغدادي إلى حمَّامات الدم، مرعوبات من صورة المسدس لوحدها ناهيك عن جسده الحديدي

    وليد جمعة كان، عن حق ولو بفضاضة وجلف، يُماهي بين عقيدة الجلاد وعقيدة الضحية ويسخر من الريف الخارج إلى المدن الكبيرة. جليل حيدر، بدوره، كان يجاهد أن يلعب دوراً خارقاً للعادة. ثم ثمة مجد الشاعر سعدي يوسف المتشعب، المدوخ في اللحظة الدائخة. وثمة العرق الزحلاوي والعيون الناعسة المتقلبة في فوحات بللور الكؤوس. عندما انفجرت سيارة مرسيدس مفخخة في شارع (الفاكهاني)، كنت قد مررتُ للتو قرب محل (حلويات أبو علي)- هو غير أبو الشوارب الموصوف- الذي كانت تختبيء المتفجرات جنبه. ربما كنت قد لامست السيارة، من يدري؟. تعالت أطنان من التراب وتحطمت الواجهات الزجاجية وكانت هناك حفرة عميقة سوف تطمرها وردة النسيان الحمراء

    كانت فلسطين محفورة في جسد العالم ذاك، في خاصرته، في عينه التي سيأكلها الدود لكنها كانت منسية في الصخب اليومي لتاكسيات البوسطه الذاهبة من المزرعة إلى الحمرا وبالعكس

    لسوف أتذكر هنا صديقتي الصحفية (أحلام حسن) بتنورتها العريضة التي لا تخفي كرم الجسد الواثق من امتلائه ومرمر الرقبة التي تغار منها (أثينا) نفسها. كانت تزورني في مكتبي في الطابق الثاني من مجلة (الموقف العربي) في نزلة (أبو طالب) آخرة الحمرا، مستوقفة التاكسي تحت العمارة لوقت طويل معلنة انتهاء الهدنة بين نزوات العرب والعالم

    انفجار الحرب مثل انفجار الحصباء

    مثل تفتق التويجات على الساق الطرية التي لم يمسها أحدٌ بعد، مثل المباضعة تبدأ بمداعبات موحية وتنتهي بترك أثر على الشفة أو الرقبة، أو كليهعما، بعد آهة الموت اللذيذة بالطبع

    الحرب فاجرة تأكل الأحباب وتسوِّد التراب الأمغر. الحرب سدرة المنتهى التي ينام القتلى تحت ظلالها كما ينام الشهداء تحت ظلال السيوف

    الحرب حاءٌ حلقية حارة، يغص بها الكائن

     

    ثم ثمة موسى السيد وعائلته الكريمة، وحسين البدري المتوفي هذه السنة ( 2001) وسكرته الدائمة وثمة السياسيون الهواة مخترعي الأحزاب الوهمية، المتطرفة من كل صنف المسميَّن هم باسمائها مثل (على طليعة)- أي علي أبو رغيف- الـمُصرُّ مع ثلة من الغواة على إدارة (حركة الطليعة الديمقراطية) بتمويلات سخية، ليبية في الغالب. وعشيقات الليدي تشارلي كلهن في مايوهات السباحة قرب العين الجاحظة للولد المستمني في عتمة الدهليز

    وثمة الشاعر عبد الكريم كاصد والمصورون الفوتغرافون وعدنان العيسى الذي سيعود إلى بغداد وحملة الشهادات الابتدائية المتعرفون للتو على السياسة والحرية والإذاعيون مثل فلاح هاشم في (صوت فلسطين) وقبضة مظهر عبد عباس والهاربون من الخدمة الإلزامية لكن المقاتلون في (خلدة) بجسارة. ثمة الشقق الجماعية وغسل الصحون الإلزامي ورواتب المقاتلين الشرفاء والحساء الساخن بعد النقاش الساخن والاشتباكات بين (جبهة التحرير العربية) والجبهات الأخرى. ثمة عائلة كاظم السماوي كلها، تحرير وشرارة (التي لن أراها إلا في شهر مايو من سنة 2001 في السليمانية مع ولديها) التي كانت تسكن في شقة أرضية أمام صالة البليارد التي كنا نرتادها جميعاً مع صديقنا الشاعر (شريف الربيعي) المتوفي، رحمه الله، في لندن

    الحرب عين سخينة

    لم أكن هامشياً إلا قليلاً وأحببت البساطة وربطتني صداقات مع الشعراء اللبنانيين عباس بيضون وجودت فخر الدين وشوقي بزيع وحسن العبد الله وغيرهم ممن كان يتحلق حول خيارات جريدة (السفير) الوطنية. لم أتعرف البتة على محمد شمس الدين كما لم أدخل ولا لمرة واحدة لحظتئذ إلى مكاتب (النهار) لكي أتعرف على شوقي أبو شقرة الذي كان ينشر لشعراء جدد، عراقيين وفلسطينيين، خاصة للعراقي (أبي روزا)، نصوصاً لا أحبها بالضرورة

    كانت الخيارات واضحة ونهائية بالنسبة لي

    الهواء، الهواء، كنا نريد القليل من الهواء النقي

    عندما انتقلتُ، بعد أزمة سكن فعلية، إلى أستوديو متواضع في شارع متفرع من الحمرا،كنتُ أراود مناطق بدت لي مسكونة بالمخاوف واللذة في آن واحد. كنت أحسب نفسي هناك في أمان أكبر من الطلقة التي يمكن أن تنطلق في أية لحظة في مكان آخر. كنت نوعاً من (داندي) صغير، لكنه يحمل لغة وفكر يساريين غامضين، مشغول بمظهره الخارجي، خاصة بربطة العنق الخضراء. هناك كانت توجد بارات من نمط مختلف عن نمط بارات اليسار المتطرف موحَّد اللغة، توسوس بتعبيرات شهوانية صارخة، وتحتوي على نادلات بالغات الجمال من طرابلس وبيروت وبعلبك

    ثم ثمة بارات في فنادق الدرجة الثانية والثالثة والرابعة على طول تفرعات شارع الحمرا والتفرعات الطالعة منه إلى الأمريكية ثم الروشة. هناك كنت أكتب قصائد ومقالات للمجلة، منتبهاً كذلك إلى الشاب الوثَّاب، المنتصب في قلبي وبنطالي. في واحدة من تلك المشارب الفندقية إلتقيت مرة بمحمود درويش صحبة سليم بركات. قبل ذلك في مكاتب (الكرمل) في الفاكهاني كان درويش قد عدَّل عنوان قصيدتي المنشورة في المجلة من (ربيع الكلب) إلى (ربيع الثعلب) مشيراً إليَّ أن الكلب حيوان أليف ودافيء وأصيل. لم أكن أعرف ذلك، ولم أعرفه حتى الآن، لكنني قبلت بتغيير العنوان بناءً على نصيحته. ثم إلتقيته مرة ثالثة في نهاية الحصار عندما انتابته أزمة صحية كنا نزوره فيها في مسكنه القريب، كما أحسب، من (النهار)

    عندما كتب درويش قبل الحصار يقول (بيروت خيمتنا الأخيرة) كان يحدس الحدوس

    كان العالم البيروتي قبل حرب الحصار يطفو على رغوة. يطفو على هذه الحبيبات المنتفخة التي تتصاعد أعلى قدح البيرة، أو تلك التي يصنعها الأطفال من تذويب الصابون بالماء، أو تلك التي يسببها تساقط المطر في حفرة ضيقة في شارع الآهات العالية. كان العالم يطفو على هذه الرغوة عينها المعرضة للإنفجار في أية لحظة ولأقل اهتزاز ولأدنى فقدان للتوازن في القانون الطبيعي

    رغوة تنعكس عليها كذلك ألوان قوس القزح

    لم يكن أحد يحبذ فكرة السلامة. كان الخلق يموج في تهور مطلق، تهور ضروري، منزلقاً من طريق مسدود إلى طريق مشوَّكٍ

    أثناء حصار بيروت يتأكد المرء أن العرب أمة لا تدافع عن المدن الجميلة وتفضل السهر تحت ضوء القمر من أجل تعلم الحساب

    قبل الحصار كانت لبنان تعيش في هدنة نسبية شذبت الأطراف كلها فيها نفوسها المعذبة: الموارنة المسيسون وأبناء الجرد، بعلبك وزحلة، فاطمة ولورا، حسين ونيقولا، أبو الجماجم وأبو حنا، العرب عن جدارة والعرب المستعربة بصعوبة. كانت كلها تعيش في رخاء الهدنة، مطيبة الخواطر رغم الاختراقات هنا وهناك، بل كانت هناك نية لضبط المكان المتراكم، المتزاحم، المنسرب في كل اتجاه

    سنشرب من الكأس ذاتها جميعاً

    من الواضح إن الإسرائيليين قد اختاروا الفترة التي تجري فيها مسابقات بطولة كأس العالم لكرة القدم لسنة 1982 لمحاصرة بيروت وإخراج المقاومة. وقد درسوا، في ظني، بعمق عميق هذا الوقت الرياضي حيث ينشغل العالم بالعبث الكروي وتنهض في الشعوب، فجأة، نزوات قومية بل شوفينية لا تنهض بها دوماً نصوص السياسة والفكر الرفيع والصحافة الجادة. كان العالم في خدر أمام التلفازات التي كانت تنقل مباريات كأس العالم. ربما كان العالم العربي أكثر غياً من غيره في متابعاته اليومية للمباريات لسبب تعويضي عام، وهو الأمر الذي درسه غزاة بيروت بدقة لكي يقللوا من حجم ردود الأفعال الشعبية العربية على الحصار. لقد كانت ردود الأفعال عند حسن ظنهم إلى حد بعيد. كان العالم العربي إذن سادراً بغيه الكروي، غير قادر على تضييع الوقت لإشهار موقف، أو نية موقف، بحجم الكارثة المحيقة بمدينة عربية أساسية كانت تتقلب في عذابها تحت أبصارهم . اختار عالمنا المجيد أن يشيح بعينيه نحو الساحات الرياضية الخضراء بدلاً من أن يحدق في الدم الأحمر. كان حماسه للأهداف يفوق حماساته لحصار ضمير العرب في لبنان. كان الجنوب يسقط ومخيمات صور وصيدا تصبر، ثم (الدامور) و(خلدة) ومثلثات المدينة وأخيراً مربعاتها. براً وبحراً. كانت البوارج الحربية تلقي، حرفياً، بقاطرات معبأة بالبارود. كنت أشعر أن هناك قطار حقيقي طائر، محمل بالسلاح كان يخترق المدينة ويسقط خاصة على الفاكهاني وما يجاوره. كنت أسمع دوي اختراقه للفضاء من شرفتي مساءً، وهو يزعج الهواء ويخضُّه لكي يخض جلدة الآدمي، شبه المحارب، شبه المسالم مثلي

    يصير الهواء المار أعلى قرب الشرفة حاراً ومقلقاً لهذا السبب. وتصير الكتابة عن الموضوع رديفاً للكآبة

    كانت القنابل العنقودية تدمر عناقيد العنب على حواف المدينة. ما زال الأولاد يلعبون ببالوناتهم أمام بنايتي في الشارع المتفرع من الحمرا. لم أر شيئاً بعد. كانت المداعبات الخفرة ، الحساسة تبدأ للتو، لكن بوقاحة وتمتد إلى المناطق الأكثر حميمية، لكي يبدأ العواء في نهاية الغروب

    هذا من جهة السماء، أما من جهة البر فقد كانت الأرض تتحرك بشكل ملموس عند ارتطام القطار بها. كانت الأساسات المتينة للعمارات البعيدة عن مكان الارتطام ترتج وتترنح. كانت القنابل تستهدف المسامات الحساسة في جسد المدينة

    زلزال مخدر كما كان يمكن للمرء أن يحسه، وارتجاج غامض، يقلق النفس بسبب توغله عميقاً في كيان الكائن المُحَاصَر مثل عواء غامض مهدد قادم إلى مسامعه من أقصى البرية. قال الشاعر

    "ذئاب بأطراف بيروت تعوي

    عوووووو

    عوو

    و

    و
    دمٌ فوق أعشابنا وحجارتنا والمياهْ

    وصدى لعواءٍ طويلٍ

    طويلْ

    يجيء من الظلمات العميقةِ

    كي ينتهي عند أقدامنا…

    (…)

    إننا الشاهدون ذوو الأعين النُجْلِ،

    كنا نحدق في دفقة الدمِ

    كيف تسيلُ

    بصمتٍ تسيلُ

    تسيلْ

    وتأتي على ورق يابس

    وعظامٍ وعشبٍ

    وتمتد حتى تغطي النهار النبيلْ"

    فجأة يحل ظلام الله وتنقطع معه لفترة جد طويلة أسلاك الكهرباء.كان مسموحا للقطط فحسب بالرؤية في العتمة منافسة بذلك الطائرات الـمبْصِرَة بناظوراتها فوق البنفسجية

    كان الكائن، من جهته، فوق بنفسجي وأعمى. وكان للعصافير وحدها القدرة على الغناء في الصباحات التالية

    الرعدة هي ما كان يخنق الهواء أثناء القصف الأعمى، وهي ما كان يتوغل في ذاك الدم الحي الشاهد بعينين محمرتين

    كان الرعد المجنَّح يطلع من الأظافر النائمة في اليد المقبوضة التي تمسك الرأس لكي لا يسقط في الهوة

    يتعلم المرء أثناء حصار تاريخي مثل حصار بيروت أن الكائنات الآدمية غير متشابهة إطلاقاُ في انفعالها إزاء الجوهري مثل الموت. إنها غير متشابهة، مخيبة أحياناً وبطولية مرات. وإذن فان البعض من سكان بيروت ومقاتليها العرب قد قرروا الخروج من المدينة إلى الجبل، إلى الشام أو إلى أرض آمنة أخرى. آمنة لكن موسوسة. البعض الآخر قرر البقاء متنقلاً بين الملاجيء والشرفات في ذهاب وإياب متأرجحاً بين الأمل والغضب، بين الغيبوبة في الأفق والصعود إلى الحافات (أو الهبوط إلى الأعماق، لا أدري اليوم) المحفوفة بالنار من كل صوب

    البعض السائر بين اليقظة الصحيحة والحلم العميق هو من يصنع الأشياء الباقية، متـأملاً في البدء في حقل متخيـَّل من الرز، ثم قابضاً على حفنة من الرز سينثرها لاحقاً في رحابة الهواء الأخير المهفهف فوق الرؤوس السود ذات البيريات المدعوكة، المطرودة من بيروت

    بالنسبة لشاعر مثلي فإن السؤال الساذج الذي ما فتأت أطرحه على نفسي أثناء رشيش النار أيام الحصار هو: ماذا يريد الإسرائليون بالضبط من الفلسطينيين؟ ماذا يريد ابن العم الضائع بين تراب الكتب العتيقة والمنافي والدم، الذي تعلم القتل من جديد في بيروت بعد أن كان قد نساه طويلاً في منافيه ودموعه المتحجرة. ماذا يريد هذا الذئب المجروح الذي ما زال يعوي في الوادي؟

    الصباح دام في اليوم التالي وأعمدة الدخان تتصاعد من أنقاض قرطاجة

    قررت الذهاب إذن لأشترى فاكهة النار من الفاكهاني. كان الخواء مطبقاً هذه المرة، لأن القصف كان على أشده. ظللتُ أتصبب عرقاً وأنا أجري مختاراً الزوغان بين جدران البنايات السالمة والشوارع التي كنتُ أحسب أن الطيارين لن يعيرونها بالاً. ما انفك المقاتلون يطلقون الرصاص والقذائف التي لا تصل مدياتها، كما كان السوفيت وحلفائهم يرغبون، إلى مستويات الطيران المغير. كانت الطائرات تحرث الهواء وتفسده بحرية

    كان (تحسين العراقي) وهو رجل أقل ما يُقال عنه بأنه غريب الأطوار نوعاً ما، لأنه كان منهمكاً ومهموماً منذ زمان طويل بآليات الطيران وحركة أوراق الشجر وميكانيك الريح وفاز منذ صباه في بغداد بأكثر من جائزة تشجيعية في هذا المضمار في البرنامج الشعبي (العلم للجميع) لكامل الدباغ، ثم أنه وضع تحت تصرف جهات فلسطينية معينة معارفه من أجل تصميم طائرات شراعية لا تلتقطها رادارات العدو. تفتق ذهن تحسين أثناء الحصار عن فكرة سوريالية تهدف إلى إسقاط طائرات العدو وهو أن يجري تعبئة بالونات بلاستيكية ذات ألوان متعددة بغاز خفيف يساعد على التحكم بارتفاعها حسب كميته، تُشدّ بأطرافها بعض المسامير وتطلق لكي تغطي جميع سماء المدينة على ارتفاع يعادل ارتفاع الطيران الإسرائيلي، وهكذا عندما تمر الطائرات من بينها فأن البالونات ستقوم بمهمتين اثنتين: إرباك الطيارين على الأقل من جهة ومن جهة أخرى فان المحركات التي تقوم بالطبع بشفط الهواء قد تشفط بمحض مصادفة سعيدة بعض البالونات المزودة بالمسامير، ستدخل المسامير في المحركات وتوقف قلبها عن الخفقان. لا أدري فيما إذا نُفِّذت الفكرة أم لم تنفذ لكنني أعرف أن أوساطاً معروفة باتزانها قد تحمست للفكرة، ربما بسبب شدة يأسها

    هذه واحدة فحسب من أفكار تحسين الغريبة في تلك اللحظة الغريبة دون جدوى

    كان يمكن لأفكار تحسين تغيير مجرى الحرب على نحو آخر أقل كآبة. ما عدا منطق القوة فلا أحد كان يعير بالاً إلى منطقٍ مختلفٍ بشكل جذري، خاصة الإسرائيليين

    إنتقلت الإذاعة إلى مكان آخر، فقد كانت مستهدفة، وجرى استبدالها بمحطة إذاعية سرية لا تبعد كثيراً عن الملعب الرياضي الكبير، أي بالضبط قرب فوهة البركان المحموم لأن الملعب كان كذلك مخزناً للذخيرة والعتاد الفلسطينيين كما كان يعرف الإسرائيليون عبر عيونهم. لقد هجموا عليه منذ الأيام الأولى للحصار أشد هجوم وهدموه تماماً ومات بسببه أكثر من صحفي كانوا يحاولون تصوير الغارات اليومية عليه، أعرف من بينهم مصوراً فوتغرافياً فرنسياً كانت عدسته تحاول نقل المشهد إلى حكماء العالم السبعة

    كان العالم أعمى

    قررت الوصول، مرة، مجنوناً تماماً وفي أشد لحظات القصف استعاراً، إلى تلك الإذاعة لإيصال مادتي الإعلامية. لم تكن الإذاعة لتبعد كثيراً عن (سجن فتح المركزي) الذي أشرع أبوابه للرياح. كان يتوجب المرور بالبناية التي تقع فيها مجلة (المستقبل)- نبيل خوري وقبل ذلك كان يتوجب المرور بحاجز لفتح. كان الطيارون أكيدين من خلو الجو لألاعيبهم البهلوانية وكانوا يصوبون الآن بنادقهم الآلية نحو الكائن الحي المتحرك: قناصو الأعالي بعدساتهم وثوب الحية. كنت أركض هذه المرة بحمى وخوف حقيقيين. كانوا يصطادون الظل الراكض نفسه. وصلت إلى أطراف (كورنيش المزرعة) ثم قفزت الشارع بحركة طائر مذعور إلى جهة (المرابطين) عند (نزلة أبو شاكر) ثم توغلت حتى الفاكهاني، ودخلتُ في غابة النار. كنت استمرُ بالجري دون هوادة مستديراً نحو جهة (الجامعة العربية) لائذاً بجدرانها. كان القناص يحاول اصطياد الفريسة، وكنت أحسبه يصوب بندقيته نحو رأسي أنا على وجه الخصوص

    لقد خفت خوف حيوان أعجم وعدتُ أدراجي. أعترف بأن الإسرائيليين قد أخافوني، وأي فتى أخافوا

    كان العرق الهابط من فروة رأسي قد غطى عيوني. كان العالم أعمى

    كانت الكتابة للإذاعة هي المهمة الأساسية التي قدر عليها مثقفو العرب الحاضرون في بيروت المحشورة بين فكي الأسد ابن عمنا الضاري. كنا ندبج المقالات الحماسية دون أن نستطيع تغيير مجري النهر. كان المذيعون قد بحت أصواتهم واشتدوا غيظاً

    في إذاعة المرابطون كان نوري يذيع أحياناً قصائد تحريضية مع رفيق نصر الله و(ندوة الزين) وبنت من بيت الملاح. كان غالب هلسا، وكان يسكن البربور، والجراح يخرجان أحياناً إلى خطوط التماس للتحدث مع المقاتلين

    نوري الجراح وكريم عبد سكنا أخيراً سوية وسكرا في بناية تقع فوق (مسرح المدينة)

    كان على فودة يدخل الكومودور ليوزع جريدته (الرصيف) على جلساء الفندق خرج وأخذ سيارته، وذهب إلى (عين المريسة). بعد عشر دقائق نزلت قذيفة وطعنته قرب البحر. قال الشاعر

    "ها قد متَّ كما يـجدر بك أن تموت

    لِصْقَ البحر، كي ترضعه

    ولكي يأخذك إلى حيفا

     

    سافرْ أيها الثعلب الساخر

    إسبقنا أيها الفلسطيني الشقي

     

    ها قد متَّ فوق رصيفك الفقير

    نافورةً في (عين المريسة)

    نافورة مراره

    نافورةً من الدمع

    ونبع بكاءً عذب

     

    لقد متَّ (هل متَّ حقا؟)

    ما كان يجدر بك أن تموت

    ماذا نفعل الآن بدونك

    ماذا نقول لليتامى

    لبائعي الخضار

    لمطاعم الدرجة الألف

    للأنقاض في أرواحنا

    للمكاتب التي تكره؟

     

    لقد متَّ

    سافر في الموت إذن

    مثلما سافرتَ في الفجيعة، واحلمْ

    إسخرْ من هذا الموت، واسخرْ

    أيها الثعلب الأشيب

    يا حبيبي…"

     

    ثم استشهدت في غارة أخرى صديقتنا (نِعَمْ) في عز صباها

    "وأنتِ أيتها الصُبَّيرة الفلسطينية

    ماذا سنقول لربيعك الذي انقض عليه البرابرة؟

    ماذا سنقول لجثتك الباسمهْ

    ماذا؟؟

    هل نغنِّيكِ يا ساعةً مائيةً ؟

    هل نبكيكِ يا جذوةً ؟

    هل تكفي الكلمات (تباً لها)

    هل….؟"

    قبلها بقليل استشهد في إحدى مكاتب الديمقراطية في تلك المنطقة المعروفة لدى العراقيين (بالـمَسْطـَر) - في الطريق الجديدة- العراقية (ناديا) التي كانت تعمل بالإخراج الصحفي والرفيق الفلسطيني (أبو الغضب) عندما كانا يتهيأان لإخراج العدد القتيل من (البديل)

    لترفرف روحيهما خضراء في العلى

    كان الأستوديو الذي أشغله في الحمرا صغيراً وضيقاً لكنه بعد الهجرة الجماعية لأخواني العراقيين من الفاكهاني إلى الحمرا خاصة كان يكتظ أحياناً بأكثر من خمسة عشر شخصاً. لن نذكر بالاسم من الخائفين المرعوبين أحداً، ولكن أتذكر أحدهم وقد أقعى في لحظة قصف عشوائي طالت أطراف الحمرا في زاوية الأستوديو وهو يجهش بالبكاء خوفاً ورعباً

    كنا مع ذلك نخرج أيام الحصار، كما لو في نزهة، لزيارة أوقاف الجحيم، إلى الفاكهاني. فعندما طلب مني هاشم شفيق أن نذهب معاً إلى (الطريق الجديدة) لجلب بعض الأوراق والحاجيات والثياب المتعلقة بزوجته الجديدة حينها، إيمان (أم سرو لاحقاً)، فقد كان صديقي وأخي يبكي هناك بين ذراعيَّ، لا فَرَقَاً ولكن ألماً وكأنه أحس، مثلي، بأنها زيارتنا الحميمة الأخيرة للمكان العزيز

    قررت القيام بعدئذ بالعمل كمصحح في جريدة الحزب الشوعي اللبناني (النداء). كان التنضيد الألكتروني يجري في شارع ضيق في حي أجهله حتى ذلك الوقت من أحياء بيروت الغريبة

    لم يكن القصف يتوقف وكان يختار أهدافه بدقة هندسية

    عندما ذهبتُ مرة إلى (النداء) كانت قنابل إفراغية قد كوَّمتْ بناية شاهقة حجارة فوق حجارة، عينٌ بعد أثر

    كنتُ مندهشاً لفعل الحرب الذي يتركني حياً رغم مَشاهِدِهِ الأكثر غرابة وإثارة ودماراً في حياتي

    كنتُ واحداً من عدة مصححين لبروفات الجريدة، ولبعض الوقت كنت أنشر يومياً تقريباً قصائد ساخنة عن الحصار إخترتُ لها عنواناً موحداً هو (أيام الجمر). أكثر من ثلاثين قصيدة عن الحاضر هاهي بعض عناوينها (حصار)(عدو)(مدينة)(بيروت)(حصارهم)(أفق وملجأ)(احتمال)(توكيد)(ثبات)(وقف النار)(المدينة)(الليل)(تجويع)(حرب)(بشر المدينة)(ليل المدينة)(الأسلحة)(أغنية بيروتية)(وطنيون)(وطنيون-مرابطون)(اشتراكيون)(جنوبيون)(حالة الدار)(حالة الجارة)(حالة المقهى)(حالة الأصدقاء)(حالة المقاتل)(حالة بائعي الخضار)(حالة الفتى كريم)(حالة يوم الأحد)(حالة ندى)(حالة الإحتمال) وهذه هي المنشورة في مجموعتي (إستغاثات) 1984 في دمشق، أما الأخريات فليست بحوزتي اليوم ولكنها منشورة في أعداد يومئذ من جريدة (النداء)

    لم يكن الفتى البيروتي (كريم) ليتردد يومياً عن نقل البروفات من مكان التصحيح هذا إلى المطبعة بدأب وجسارة غير متخوف إطلاقاً من القذائف العشوائية التي كان يمكن أن تسقط في أي مكان من بيروت. قال الشاعر

    "يروح ويغدو إلى المطبعهْ

    تحت صوت القنابلْ

    لا يخاف كريم

    البنادق مشرعةٌ

    يروح ويغدو إلى مجدهِ

    لا يخاف كريمْ"

    صبية لبنانية من جنوب لبنان اسمها (ندى)كانت تعمل في ورشة التصحيح تلك كعاملة تنضيد كما أتذكر. كانت مساءات العمل مضاءة بالمولدات الكهربائية. من بعيد كنت أرقبها وكانت تتطلع نحوي بعيني حمامة. كان الفضاء يرتج أحياناً من شدة القصف في الأحياء الأخرى المجاورة. كنت أتكلم اللهجة الشامية، ومازلتُ قليلا،ً ولم أكن أعرف كيف أعلن حبي العميق وامتناني لندى، إلا عبر نظراتي العاثرة مثل حظي. وكانت تستخدم عينيها بطهر بتولي. كنا نقول لبعضنا فحسب: إلى مساء الغد. كنتُ أصل الجريدة في نهاية المطاف بروح العاشق الملهوف متقلباً بين جمرتي الحرب والحب كليهما. وكانت هي تتسرب رغماً عني في قصائدي عن الحصار. قال الشاعر

    "لعينين ضاحكتين

    للأكف الصغيرهْ

    لأنفٍ وأنفاسهِ

    للزهور على الثوبِ

    للصوت مرتبكاً

    للأنوثة عاليةً…عاليهْ

    للجنوب الذي تلكنينْ

    أرفع الزهرة الجبليهْ

    وأودِّع ما بيَ من ضجرٍ وأنينْ

    واسمِّي يديكِ الطيور الأميرهْ

    أسمِّي خطاكِ الأغاني

    أسمِّيك مملكةً

    وعلى بابها

    سأرتِّل أشعار نصري الأثيرهْ

    بانتظار الندى

    والبروقْ…"

    كنتُ احبها ذاك النوع من الحب الذي يمكنه أن يطهِّر حقدي حتى من أعدائي الواقفين رمية حجر

    لم يكن الحجر قد أُكتشِف بعد

    لم يكن المكان ضيقاً ولكنه كان يضيق. لم أعد أتذكر شيئاً مهماً. ذاكرتي تحاول إلغاء تلك اللحظات السود لكي يستطيع رجل في الـ 27 من عمره الإستمرار في العيش. أعاود تذكير نفسي بالمشاهد الأقل أذىً، الأكثر إشماساً، الأقل موتاً

    لا أعرف من كان يدفن القتلى ولا أريد أن أعرف

    لا أحد يعرف

    لا أحد يريد أن يعرف

    هجم الصحفيون على بيروت عند اشتداد القصف. وكانت أحد الفنادق وهو (الكومودور) منتجعاً لهم كأن شيئاً لم يقع البتة، كأنهم كانوا عارفين بحدود الهوج أو متفقين مع القاصفين على المسافات والحدود الدقيقة التي يطالها. كانت النقاشات وكؤوس البيرة وقناني النبيذ مشهودة في صالة الفندق. هجمنا جميعاً على الفندق. أتذكر الحظة من رواده ميشيل النمري والمصورة الفوتغرافية الإيطالية (باولا) التي كانت تعيش بين ظهراني المقاومة وداوود تلحمي وغيرهم الكثير

     

    لكي يضيقوا الخناق على أعدائهم، كان الإسرائيليون يقومون، بين فينة وأخرى، بقصف يطال أماكن منتخبة لا يطالها القصف عادة من بيروت الغربية وقد يصل إلى أطراف الفندق مثلاً، أطرافه فحسب، ويطال كذلك مساحات فارغة في أماكن تعتبر عادة أمينة مثل الساحة التي تقع بالقرب من شقتي في الشارع المتفرع من الحمرا. عندما انفجرت القذيفة هناك فان جسدها الفارغ انقذف نحو الشقة مصطدماً وسط ذعري ورعب هاشم بالجدار وليس بزجاج الشقة لحسن الحظ. عندما صعدنا بعد حين من الملجأ وجدنا جسد القذيفة النحاسي ذاك وقد تشقق كما لو على هيئة أصابع عصبية منطوية. أنا الذي سمَّيتُ بقية القذيقة بـ (كف الشيطان). زارنا سعدي يوسف وعرضنا عليه يد الشيطان. أعجبته التسمية واستخدمها في أحد كتاباته عن الحصار

    مع جدية الموقف كانت تتعالى وتيرة الهروب من بيروت. كانت البنايات تُهجر تماماً مرات كثيرة من سكانها حتى في الحمر نفسها بعد توقع اجتاح اسرائيلي للمدينة. لهذا السبب فان الجمع المتجمهر في شقتي كان يجد لنفسه أماكن فارهة من دون إيجارات بالطبع

    لم يتبق معي في آخرة الأمر إلا هاشماً. كان الباب يُطرق بعنف على يد (غيلان) الذي أرى الآن شفتيه المبلولتين. هجم علينا مرة ساخراً أو مخوفاً إيانا بحربة الكلاشنكوف. بعدها قرأ لي في الشرفة نصاً طويلاً جميلاً مستلهماً من سان جون بيرس الذي كان ملهمه الأول. أحياناً كان جليل حيدر يدق الباب مستوفزاً لأسباب غامض. كان سعدي يصل كذلك إلى شقتي، متواضعا ذاك التواضع القديم المقدر تقديراً عالياً

    بعدئذ كان هناك (هدوء حذرٌ) ووقف لإطلاق النار يستهدف إقناع الفريسة للنجاة على الأقل بجلدتها المدماة

    كنت قد تعرفت على رشاد أبو شاور وعز الدين المناصرة في بيروت، وغيرهم الكثير من اصدقائي الشعراء والكتاب الفلسطينيين. المناصرة كان يرأس تحرير جريدة (المعركة) الصادرة بمناسبة الحصار وكان رشاد ينهمك في كتابة ساخنة يومية فيها. نشرتُ في (المعركة) بعضاً من قصائدي مثل (وداعاً على فوده) (وداعاً نـِعَمْ) (وداعاً مهند) من بين مواد أخرى

    لم أرهم، كما لم أر غالبية أعزَّتي في تلك اللحظة لأن الجميع كانوا منهمكين بفعل ما، صغير أو كبير، يعزز البطولة المفقودة في أرواح العرب. كان الجميع منشغلين بجلال الدم وبغموض الآتي، ويشتغل من طرفه، حسب قدراته، صقر أبو فخر، ويحيى يخلف وصديقي القاص علي حسين خلف

    أظن أن الورود التي قُدِّمتْ إلى الإسرائيليين عند استقبالهم في الطرف الآخر من بيروت كانت أسيانة ومُرْغمة ومن دون عزاء. كان الألم يتوغل عميقاً في الروح لمشاهدة الوردة أمام الدم. كان الأخ يمد بساطاً احتفالياً لاستقبال شارون من أجل أن يطرد عن روح المكان اللبناني الهاجس الفلسطيني المهيمن، من أجل أن يطرد العلة والسبب من ذاته هو نفسه

    ثم أن أرييل شارون كان يتطلع بمنظار حربي مقرِّب واقفاً على سفح من سفوح بيروت الشرقية مراقباً بيروت الغربية. عندما نشرت صورته في الجريدة اليوم التالي بهيئته تلك، قلت لهاشم بسخرية:

  3. يبدو أننا الاثنين صرنا مراقبين من طرف شارون شخصياً بعد أن فلتنا من رقاباتنا المحلية..!

كان شارون يحدق في أحشاء المدينة وكان يفكر يقينا بالكيفية التي يدمر بها أحشاء سكان المدينة

كانت الإذاعات تدق طبول الحرب

"بيروت حزينه" ظل مارسيل خليفة يعاود القول في نهاية المطاف إلى جوار تلك الـ (أناديكم.. وأبوس الأرض). كان للأرض طعم موجة مالحة، طعم اليود المتوغل في الجرح. وكانت هذه الأرض، ذاك التراب اللبناني يعني بالنسبة لي شيئاً محدداً بدقة، ملموساً، عزيزاً، عضوياً، حارقاً، لاذعاً، متغلغلاً في الخيشوم ومتناثراً على الكتفين: شيئاً من طبيعة رحمية، عشقية، وسواسية لكن سامية

ثم أن شارون قرر أن يناثر من طائراته الحربية المحلقة عالياً جداً منشورات تحض سكان بيروت الكرام على مغادرة المدينة متوعداً خلاف ذلك عقوبة توراتية. قرأتُ المنشور بغيض ودعسته

لم تكن السماء التي تنثر تلك الأوراق واطئة. لو أنها كانت لمزقتها الأضافر المسعورة شر مزقة

حسرتي كانت تتضاعف، ليس فقط لأن بيروت محاصرة وكئيبة، لكن أيضاً لأن قدماً سوداء استطاعت أن تطأ ترابها العتيق وتلامس جدرانها

عاودتُ الذهاب، مرات متكررة إلى الفاكهاني. بنايات أجهزة المقاومة كلها كانت مستهدفة بدقة متناهية : هذا يعني أن هناك الكثيرين ممن كانوا يشيرون إلى العدو بإحداثياتها الدقيقة

بين فترة وأخرى كنت أرى إلى رجل أو إلى سيدة على شرفة من الشرفات وهما منفردين انفراداً بالغ الغرابة وسط وحشة المشهد. ما الذي يفعلون يا ترى وسط الهباء؟ لعلهما قد يأسا تماماً بحيث إنهما لم يعودا التفريق بين نبضة الحياة وهمود الميت، أو أن كلايهما بالنسبة لهما سواء. بالنسبة لي فالحياة والموت ليسا سواسية وكنت أفضل حيوية الكلاب المتهارشة لتدعيم غريزتها في الكينونة البلهاء على غريزة القتلة

كانت كمية الخراب جديدة على بقعة جميلة وأمومية. لم يكن يليق بمكان حنون أبداً ذاك الخراب

كان فوحان القيظ يمنح المشهد أسىً كأنه كان يفوح مع سخونة الهواء. أسىً يسيح على إسفلت الشارع المتوهج بالتماعات الأشياءٍ المعدنية المتبخرة في أماكنها. أسى ذو فظاظة يتمكن من عصب الأصيصات الصغيرة نفسها التي ظلت ثابتة في شرفاتها رغم الحصار

كان شارون يتطلع بمنظاره نحونا يقيناً، وكان بخار القيظ يوقظ حس الحيوان المتوحش لدى الغزاة

إزداد خروج العراقيين إلى الشام. كانت سفارة اليمن الجنوبي (يومئذ) تهيئ لهم جوازات سفر يمنية وتعبر بهم سياراتها الدبلوماسية بيروت الشرقية الواقعة تحت الحراب الإسرائيلية. خرجوا رويداً رويداً، النساء أولاً ثم الهيابون من أولئك الرجال

كان الجميع يتشيث ببيروت. لا أحد رغب بالخروج طواعية من بيروت إلى بر السلامة. كانت هذه المدينة تمثل بالنسبة لنا التحقق الكلي لفكرة الحرية الغائبة في عالمنا، الحرية بمستوياتها الطفيفة ومستوياتها الراقية. أن تذهب امرأة عراقية إلى شاطيء البحر لكي تستحم بالمايوه كان في باديء الأمر صدمة كهربائية لأولئك الذين لم يلمحوا منها سابقاً إلا ما يُلمح عادة من الخارج عند امرأة عربية: العورة. أن يرونها بالمايوه، حتى لو كان من قطعة واحدة، فذلك موقف الجسارة في التطلع إلى ما كان مخفياً لوقت طويل في العراق. حرية مفاجئة قد توغلت إلى الأبد في أرواح العرب في بيروت، وسيظل طعمها عالقاً في أرواحهم إلى الممات ، بسبب روح المفاجأة والمباغتة فيها بالدرجة الأولى، وبسبب وفرة ما كان محرماً، وما زال في العالم العربي، بدءاً من جيب صديقنا (سمير) المنتفخ بكميات من أعشاب مزارع بعلبك، مروراً بالبسيط مثل تناول السندويشات اللذيذة على نواصي الشوارع، شراء قنينة من العرق، السهر على الساحل أمام ملوحة الموجة، الترداد على سينما (بافيون) الجنسية مقابل الجامعة الأمريكية. كانت تلك الحرية ملتقاة بشكل أخص في قدرة العربي في التعبير عن أفكاره السياسية بطلاقة ومن دون رقيب. كان (المختلف) يسود في بيروت رغم هيمنة (المؤتلف) القادم مع طوائف العرب المتسمية بأسماء الأحزاب والمنظمات

كان الخروج من بيروت هو الخيار الوحيد المتاح

بعض البوارج الحربية كانت تُشاهد بالعين المجردة من سواحل بيروت. لهيبها كان يُضاف إلى اللهب العام الطالع من الجهات الأربع. ولعل في ذلك دالةٌ رمزية: إن العالم بشماله وجنوبه وشرقه وغربه كان يُحاصر فلسطين. على أية حال كنتُ، شخصياً، أؤول حصار بيروتي على هذه الشاكلة

كانت القلوب الأربعة مقدودة من صوَّانً يخفق للصوَّان. صوَّانٌ قادم من كونٍ سديمي لا تاريخي كان يضرب في بقعة محددة ومخصوصة من بيروت، قادماً من عماه الأزلي. كانت الصباحات رغم ذلك أكثر جمالاً من أي وقت مضى وأندى من تلك الصباحات التي عوَّدنا عليها صيف لبنان

كان حصاراً جوهرياً، بدأت معه رايات العرب تترنح بشكل جدي. وكان يستهدف هذا الأمر تماماً: أن يمرّغ أنف أمةٍ بالتراب..أيَّان له. وقد كان له أن يفعل لحظتئذ بنجاح ساحق. لم يتحرك لا السوفييت ولا الشارع العربي إلا كمن يتحرك فجراً بصعوبة من نومةٍ عميقةٍ بعد تعب 14 قرناً من التنقل بين غبار المعارك

كانت البوارج مرئية بالعين المجرَّدة وهي تنافس دلفينات المتوسط في ارتياد مكان الغروب الجميل. كانت الشمس تختفي الآن خلف تلك البوارج السود بالضبط

لو كانت الحجارة تصل إلى عرض البحر لرماها المحاصرون بالحجارة. لو كانت هناك طيور أبابيل عربية فعّالة كما كانت فعالة مع ابن عمنا القديم إبرهة، لحدثت معجزة القرن

كان الهدف من الحصار، كما يُقال، هو تحطيم البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية بكل الوسائل مثلما يحدث عادة في ظل شارون وزيراً للحربية قديماً ورئيساً للوزراء فيما بعد

لم يُتابع أحد من نزلاء ذاك السجن الكبير، بيروت المحاصرة، شاشة التلفزة بسبب تدمير محطات توليد الكهرباء. عقدة الإسرائيليين تكمن في طاقة الكهرباء على توليد النور. إنهم يريدون أن يطفئوا ضوء العالم العربي عبر إقنومه الفلسطيني

كانت المحركات المشتغلة بالزيت تعمل بأقصى طاقاتها في غالبية البنايات المعمورة بالسكان. ثم أنهم قطعوا الماء عن بيروت الغربية. يعني أنهم أرادوا إذلال الكائنات الحية المحاصرة، اللبنانية والفلسطينية والعربية وغيرها ممن كان يدب في ذاك النطاق الضيق من الأرض. كنتُ أخرج بصحيفتين بلاستيكيتين وأقف بالدور أمام مضخة يدوية (وفي أحيان أخرى تشتغل بالمولدات المنصوبة في كل مكان). لا أتذكر فيما إذا كان هناك نبع قديم أم كان هناك مصدر آخر للماء. كنتُ أقف مع صبيات وشبان ونساء شيوخ من أجل الماء الصالح للشرب

لم يكن ما سأسميه النبع يبعد كثيراً عن بنايتي. كنت أحمل الصفيحتين بصعوبة وعندما كنتُ أصل الأستوديو كنت أتحمم ويتحمم كذلك هاشم. ثم أننا كنا نعمل شاياً ساخناً ونقعد بانتظار المعجزة

كانت فظاظة القصف تتغلغل، في نهاية المطاف، في المكامن الأكثر سرية من الجسد البشري. كان القصف يصير يومياً بعد الشهر الثاني من الحصار، ورغم أنه كان يختار أهدافه محددة بدقة، فإنه كان عشوائياً في أحيان كثيرة أخرى وذلك من أجل إقلاق الكائنات ودفعها للشعور بأن الخروج هو الحل الوحيد لكينونتها. كان القصف يتحول إلى غولة فظيعة، مزرَّدة بالرصاص ومسننة بالموت. غولةٌ يمكن أن تطلع عليكَ في أية لحظة وتغتالك. ففي بعد ظهيرة صيفية كسولة وأثناء المفاوضات كنتُ أشرب شاياً مع هاشم شفيق عندما ابتدأ القصف. بعيداً أول الأمر، ثم بدأت الحيطان الأقرب تهتز. أسرعتُ لكي أضع جوربي، وضعت جورباً واحداً ثم (بُـم) قذيفة ظننتها في قلبي. ركضنا سوياً، هو عاري القدمين وأنا بجورب واحد لكي نلحق جماهير البناية في الملجأ الرطب. لهاث عال، ثم عندما أبصرنا بالقدمين وبالجورب اليتيم، انفجرنا بضحك قوي، نادر، صاف

صار مؤكداً، في الأسابيع الأخيرة، أن الحصار مطبق، وأن مطلب الإسرائيليين وحلفائهم ليس خروج جماعي للمقاومة كلها، وصارت تتسارع وتيرة طلوع أصدقائنا، الغالبية إلى الشام، الواحد تلو الآخر. السيدات العراقيات خاصة وأزواجهن فيما بعد

أجرى يوسف الناصر تصفية لأوراقه الشخصية وأودع عندي مجموعة منها. هاشم شفيق الخارج إلى الشام بدوره أودعني قصاصات فيها مقابلات صحفية قديمة تتعلق بجيلنا وهذه سأفقدها سنة 1983 في طرابلس لبنان في حصار آخر

لم أجد أمامي في النهاية سوى عادل طه سالم (المقتول قتلاً فيما بعد في بلغاريا). كان عادل قد دأب على الانهماك بالكحول في تلك الشهور العصية. كان يصل بقامته الجميلة وبعينين شبه مخدرتين شاعريتين. لم نكن نتبادل من الأحاديث إلا أمرَّها وأقلها. ثم أنه خرج إلى الشام

شعرتُ إذن بالوحدة والعزلة والمهانة. كان الفراغ مطلقاً وكانت الوحشة تجالسني. كادت أعصابي أن تفرط، حرفياً، لهذا السبب، وكنت أشعر بأنني غير قادر على تحريك أصابع يدي. كانت الاستعدادات الجدية تجري للخروج. كانت عايدة قد استقرت مع عائلة فلسطينية في فندق لا يبعد كثيرا عن بنايتي. كنت أذهب إليها وكانوا يقومون بتدليك ذراعي وأصابعي. كنت استشعر، على الأقل، ببعض الحرارة الإنسانية وكانت أعاود ممارسة الأمل. قالت لي بأنني يمكن أن أبقى في بيروت معهم في المخيم حال انجلاء الموقف، واقترحتْ بأن يزودونني بوثيقة رسمية تخص أخاها المستشهد في لبنان لكن غير الـمُعلن أبداً عن وفاته للسلطات اللبنانية. وقالت بأنهم احتفظوا بالوثيقة ليوم عصيب كهذا ولشخص ربما احتاجها يوماً. لم أوافق

كانت رائحة العطر تختلط برائحة الحزن. سلَّمتُها بعض كتبي وحاجياتي الرئيسية مثل بعض أفلام ألـ Super8 التي كنت ولا أزال من هواة تصويرها ووضعتُ كل شيء بكيس بلاستيكي كبير أسود اللون على ما أتذكر

سلَّمتُ كذلك حقيبة جلدية أخرى أو شيئاً مشابهاً، لم أعد أذكر اللحظة، فيها كمية من الأوراق الرسمية والشهادات الجامعية إلى صديقي اللبناني (سركيس أبو زيد) أحد ناشطي ومقاتلي الحزب القومي الاجتماعي السوري الذي قيل لي بأنه قد زهد أخيراً في الدنيا تماماً منعرجاً في تجليات التصوف الصافي

أليس أمراً ذا دلالة رمزية أن تكون عايدة هي آخر من يودعني أمام الملعب البلدي في الفاكهاني بانتظار الشاحنة التي ستقلنا إلى الميناء. وكما كان مطلوباً يومها كنتُ أرتدي بدلة عسكرية نفطية اللون. وكنتُ أقف أمام المصوِّر الذي سيلتقط لنا بكامير (البولرايد) الفورية صورة تضمني وعايدة والشاعر قاسم مهدي وصديقته. الصورة بحوزتي إلى الآن

انطلقت الشاحنة إلى الميناء تحت زغاريد اللبنانيات في شرفاتهن ورشيش الرز: رمز تمجيد الأحبة، عند سفرهم أو عودتهم المأمولة

انطلقت الباخرة اليونانية إلى عدن تحت حراسة البوارج تلك عينها لبعض الوقت اختفت البوارج وظلت الباخرة تترنح في المتوسط ثم بالبحر الأحمر طيلة أيامٍ سبعة هي أيام الخلق السبعة

جنيف مايو 2001