شاكر لعيبي

 

 الرقابة الأدبية والرقابات الرمزية

 

وأعتقد أن جذور الرقابة علي المصنّفات الأدبية والفنية تمتدّ بعيداً في المصادر الاجتماعية والروحية.

ثمة رقابة قوامها الأعراف المتنوّعة في الثقافة العربية حيث يقيم العرف الاجتماعي والأخلاقي منظومة من المعايير التي يُسمح أو لا يُسمح وفقها بتناول موضوع محدّد أو التلفّظ بعبارة مخصوصة أو كلمة محددة. هذه الرقابة يمكن أن يتلمسها الرجال والنساء علي حد سواء في الممارسات اليومية. ثمة اشتراطات عُرْفية يتوجب الالتزام بها حتي في طريقة الجلوس في الدواوين والمجالس والأماكن العامة والمقاهي والشوارع. لا يستطيع الشاب العربي ارتداء هذا النوع من (الفانيلا) ذي الحمالتين ويخرج إلي الشارع، كما يفعل قرينه الأوربي. الفانيلا بالنسبة للرقيب الاجتماعي مكرَّسة لغرفة النوم فحسب. سيمارس العرف ضده رقابة قاسية. بالنسبة للنساء ثمة رقابة أكثر صرامة تضرب في صميم استخدامها العفوي لجسدها نفسه وطبقات صوتها واستخدامها لإشارات الأيدي بل في مقاسات وحدود أكمام الملابس والتنورات وفي ضيق أو اتساع البنطلونات، وفي خيارات ألون غطاء الرأس (الإشارب) بالنسبة للسيدات المتحجبات. كل من يمرق عن هذه الشروط والحدود تُمارس ضده رقابة فعلية صارمة، أحيانا رقابة لغوية وأحيانا رقابات رمزية. علي المستوي الرمزي وفي الإطار الاجتماعي، لا يتورع المجتمع العربي عن توظيف لغة العيون من أجل ممارسة منظومة صارمة ويومية من الرقابة الخفية علي اللغة الاستعارية للكائن الآدمي أي علي سلوكه وإشاراته العاملة في الحقل البديهي اليومي. إن النظرات الساخطة أو المستاءة أو الشبقة تمارس في جوهر الأمر رقابة من نوع خاص.

من هنا تطلع جوهرياً الرقابة علي المصنفات الأدبية والفنية، فإن كل ما هو ممنوع ومحرّم في حقول النشاط الاجتماعي سيكون محرماً في الحقل الأدبي والفني. يتعلق الأمر إذن بموقف الرقيب الفكري والفلسفي والأخلاقي من مجمل القضايا الأساسية الخلافية في المجتمع. الرقيب هو حالة مصغَّرة للمجتمع العربي ذي المعايير المعروفة، لا أكثر ولا أقل. هناك ثلاثة أو أربعة مواضيع تمارس ضدها رقابة حقيقية أكثر من غيرها، وكلها صارت تتفلت من سلطات الرقيب.

إن هذا الرقيب المنبعث من ذاك المجتمع يجد اليوم نفسه في ورطة لا يُحسد عليها. ذلك أنه لم يعد قادراً علي ضبط اللعبة. لقد صارت الأمور تتفلت من بين يديه ولا يستطيع بعد أن يؤدي دوره القديم، بسبب أن ما كان يراقبه ويحجبه ويمنعه صار متوفراً إلي حدود بعيدة في وسائل الاتصال ونقل المعلومات الحديثة. النص الأدبي الممنوع صار متداولاً عبر ألف وسيلة ووسيلة، والصورة البورنوغرافية الخادشة للحياء صار بالإمكان استقبالها عبر الانترنيت بحيل شتي والموضوعات التابو صار ممكناً قراءتها عبر هذا الانترنيت نفسه. التاريخ والمعلومات المُراد إخفاؤها لم يعد أحد بقادر علي طمسها إلا بصعوبة متناهية. يتوجب إذن أن يعلن الرقيب العربي إفلاس مشروعه القمعي، ويشرع أبواب المعرفة علي مصراعيها من دون ندم. إذا ما تزود الإنسان العربي بعقل ووعي ومعرفة وهذه كلها تنتعش في شروط الحرية وليس في شروط القمع، فإنه يستطيع من دون مساعدة الرقيب أن يُمارس وحده رقابة نظيفة علي خياراته. وهو ما نراه في المجتمعات المتنورة التي ألغت نهائيا أو إلي همشتْ إلي أبعد الحدود سلطة الرقيب المكروهة. العراق القادم السابح في ضباب المجهول، يستطيع رغم ذلك أن يقدم أمثولة للعالم العربي بإلغاء الرقابة نهائياً عن المصنفات الأدبية والفكرية.