مسائل حول " قصيدة النثر العربية "
بقلم : أيمن اللبدي
لعل كثيرا من الاختلاف أصبح فيما يبدو متوقعا دائما حول الشعر والقصيدة على مدار العصور ، والمدهش دائما أن الاحتداد ودرجة التوتر المصاحبة لهذا النوع من الممارسة الأدبية هي عادة في درجاتها القصوى ، مع ما يتبع ذلك من تشنجات وردات أفعال قد لا تتيح كثيرا من العلمية والدقة في تناول المختلف عليه بهدوء وروية يفضي إلى فك الاشتباكات الحاصلة جراء طريقة التناول هذه وطريقة النظر في حيثياتها وما يتعلق بها ، بحيث أصبحت النتيجة المعلومة سلفا هي التحزُّب المفضي إلى معارك مضنية قلما استفادت منها حركة الأدب وخاصة العربي منها ، ولربما باستثناءات محدودة حيثما وجد من يعود إلى مستوى الهدوء المطلوب بعيدا عن التشنجات وفي الوقت الذي يكون فيه الدرس النقدي الحقيقي حاضرا بعلمية ومنطقية وانفاتحية لا جزءا من هذا الاختلاف ولا مكملا لمراحله وصوره .
والملاحظة الثانية التي ترد إلى الذهن مباشرة أن مرات قليلة أمكن النفاذ إلى استخلاصات بعينها بعد أن ينجلي غبار التطاحن وأنه ربما كان قليلون هم من يهتم بالحصول على هذه الأستخلاصات جزءا من عملية تقييم تكون أداة في خدمة التقويم المفترض لما هو متوقع قادم من خلاف ، بل إن المضحك المبكي أن ذات المنهج وذات المآل عادة هو مصير هذه المعارك وبنمط من التكرار والنسخ العجيب حتى غدا مفترضا ومتوقعا ، حال كثير من الأفعال في مجالات أخرى تهم الثقافة العربية والمجتمع العربي بشكل أكثر اتساعا يماس الحقيقة المدركة المعاشة ، ولعل هذا النسخ العجيب قد يشهد أحيانا ذات الأبطال لذات الرواية الناهضة بأداء ذات الدور مع ما يستلزم من تغيير الشكل الخارجي ومتعلقات الرواية القابلة طبعا للتغيير لانتقال الموضوع فقط ولكن العقلية والأداء والطريقة المسجلة حصرا لا تتغير .
أما الملاحظة الثالثة فهي الرفض المطلق للحيادية والتوسط بين أي من الفريقين المختلفين ، إذ لا بد من القطبية قصرا ووجوبا ولا يحتمل الأمر لدى فرقاء النزاع مجرد القبول بفكرة الحياد من أي كان صدقا لا توهّما وهم بذلك يبنون موقفهم هذا على افتراضات غير صحيحة تبنى على مستبقات من الأحكام هنا وهناك ، وهكذا تفقد الوسطية والحكمية دورها كثيرا في مثل هذه النزاعات لوجود هذا الرفض المسبق من كلا الطرفين لهذا الدور الفاعل والمستوجَب بداهة ، بل إن مثل هذا الرفض لهذا الدور من قبل بعضهم ربما قاد لاستقالة الوسطية نهائيا من المشهد وعجّل في أن تؤول النتيجة إلى ثأر مزمن لا أمل فيه ، ثابت ثبات السكون العضال وتخسر بذلك الثقافة العربية والمجتمع العربي فرصة لتجديد أو تغيير حقيقي مع ما يبشر به ذلك لو تم فعلا من أفق ومستقبل أفضل .
إن العرب كما عُرفت أمة قول وأصحاب كلام وربما كان هذا سبب إضافي لتكون مثل هذه المعارك الثقافية على أعلى ما يتُخيل لها أن تكون عندهم وتستدعي بؤرة عالية الشدة واهتماما ملحوظا بالتالي من المراقب ، كما وأنها تمرّر انعكاسا سريعا وحادا أثناء الاشتباكات بل وقبل النتائج في مرات كثيرة على المجتمع ذاته أي المتلقي العربي ، وهذا ما يشكل الملاحظة الرابعة في هذا المقام والذي يجعل ما تقدم في ثقافتنا العربية غيره في ثقافة الآخرين مهما كان نوعها وأيا كانوا هم وفي أي زمن كان.
إن الصيغ المنتهية تماما لدى الثقافة العربية والأدب العربي المكتوب المنطوق لا تتعدى ما عرف من نثر أو شعر حتى إذا جاء الإسلام أضاف تحديا حقيقيا لهذه الأمة بالقرآن الكريم ، فلا هو بالشعر ولا هو بالنثر المعلوم ، وقد وضع القرآن الكريم منذ البداية علامته المميزة تلك بنفسه من خلال الآيات القرآنية الكريمة التي أتت موضوعا لإعلان هذا التميز من خلال التحدي الأكبر لأمة كان شامة جنسها القول وفنونه ، وهكذا حسم القرآن المسألة لنفسه فأبقى دونه الشعر والنثر من غير جلبة كبيرة ، وتتالت العصور ورأينا أن جنس الشعر هو ما تعرض لكثير من الخلاف حوله وليس النثر من جهة ، إضافة إلى أن درجة هذا الخلاف ومستوياته كانت دوما الأعلى والأكثر جلبة وحدة في الشعر منه في النثر ، ولعل الحديث الشريف وهو من النثر أيضا قد أغرى بعضهم بتحريف بعضه أو التغيير فيه ورغم ذلك أمكن ببعض النظر الدقيق التمييز بين الأصل والمدخل عليه أو المنسوب له .
ويحار المرء عند هذه الملاحظة ، لم الشعر دائما ؟ ويبدأ في البحث عن أجوبة تشفي الغليل ، ترى هل ما كان من ذلك مرده إلى أن العرب قدمت الشعر وعدته ديوانها الأوحد واحتفت بشعرائها أيما احتفاء أكثر مما فعلت بناثريها ؟ أم أن الأمر عائد إلى أن النثر لم يكن يوما يستجلب كثيرا من الانتباه الخاص نظرا لكونه في نهاية الأمر هو ذات المستخدَم اليومي إلى حد كبير دون عناء أو كلفة وذلك قبل أن يصيب اللسان العربي الخلل والعلل فيما انبسط من زمان نتيجة التحولات العميقة بعد الفتوح العربية الإسلامية واتساع الدائرة بمن وفد من غير العرب إليها ؟ والعجيب في الأمر أن هذا النوع من الاختلاف لم يخف حدة لهذا السبب الأخير رغم كون هؤلاء الوافدين الأكارم على العربية والإسلام لم يكن لهم في مظاّن ثقافاتهم الأصلية ذات الدرجة من تقديم الشعر ربما على النثر من جهة أو حتى من إعطاء فنون القول أصلا هذه الأهمية التي كانت عند العرب ، فكيف كان تفسير امتداد ذات الآمر بينهم وعلى أيديهم ومشاركتهم أنفسهم شعراء ونقاد في كثير من معارك الشعر ذاته ؟
إذن لا يصلح إلا أن يفهم وكأن الشعر هذا مقصود لذاته بسبب مكانته وليس لشيء لآخر وهو الذي يستقر عليه المنطق في الحكم ، ونحن نعلم أن فنون الرواية والقصص إنما دخلت على الأدب العربي أيضا ربما من ذات الأبواب التي دخل منها أنماط الجديد من أصناف الشعر هذا فما أثارت جلبة ولا استقدمت هذا الاحتقان بل كانت سلسة الدخول وسلسة التربع على عرشها وسلسة الوصول إلى مبتغاها إلى حد ما ، فهل يمكن أن نفهم أن أصحاب النثر هم أكثر تسامح من أصحاب الشعر مثلا ! وهل يجوز الاتكاء على هذا الاستنتاج أم أن المسألة تتعدى هذا التبسيط لأن الموضوع هنا يتعلق بنمط تام الخلق ومميز الحدود منذ البداية ولم يشحذ أيا من رماحه مدعيا الحلول أو يسلك طريق الاستقصاء أو أعمل في هدم ما قبله متحديا فدخل آمنا سالما وانتهى غانما مكرما بينما الأشكال أو الأجناس الشعرية التي دخلت من ذات الباب قد دخلت شاهرة سيفها معملة القتل وواعدة بالتقتيل مما خلق هذا الوضع وافتعل الأزمة كون هذه الأجناس عند دخولها لم تكن مكتملة الحدود ولا تامة الخلقة لتنهض بذاتها فأرادت من باب التعويض اللجوء إلى العنف تغطية على هذا العامل الذاتي ؟
على أي حال فإن الواقع يقول أن هذه الأجناس الجديدة وموضوع هذا المقال هنا ما أطلق عليه أصحابه تسمية " قصيدة النثر العربية " قد أصبحت لا شك ضمن دائرة الوجود منذ ثلاثين أو يزيد وبالتالي فإن لا مندوحة عن تناول هذا الوجود بالرؤية والمتابعة ، وقد وجدنا أن أفضل السبل إلى هذا الموضوع أن يكون منهج الرؤية حياديا منذ البداية مع الإصرار على استبعاد الرأي الذاتي والمستبقات من الآراء والأحكام ، وقد تسنى لنا أن نخرج من هذه المطالعة وجزء كبير منها اعتمد على ما توفر من عدد من المواقع العربية إضافة إلى الاستعانة بأصول الكتب ذاتها إن وردت بعدد من الملاحظات أردنا أن تكون على صيغة مسائل تفتح المجال للنقاش لا أن تكون على شكل خلاصات نهائية ، وقد ظهر لنا أن أهم المسائل التي نراها حقيقية حول قصيدة النثر العربية ما يلي :
1- ضبابية المصطلح وهلامية المفهوم .
2- إشكالية الوعاء والحدود .
3- التباس النقد .
4- انفصالية المسار .
5- الزمانية والثقة .
6- الاشتباك الاجتماعي .
ضبابية المصطلح وهلامية المفهوم :
أما هذه العلامة المميزة فنحن وجدناها حقيقة على أيدي منظري هذا التمرين الأدبي ، فلم يكن ممكنا الوصول إلى مصطلح محدد بذاته متفق عليه لديهم بل اتضح وجود اختلاف لافت وخلاف حاد بل والإصرار على عدم السعي حتى لإزالة مثل هذا الاختلاف ، وهناك من أبدى تحفظه على الاصطلاح بداية وعدّ أن جزءا هاما من سبب المواجهة التي حدثت مع الفريق الآخر كان نتيجة التسمية ذاتها التي تقدم إليها أدونيس في مجلة شعر صيف عام 1955، كما أن هؤلاء المعترضين المحتجين يرون أيضا أن هذه التسمية ذاتها قد أدت إلى إعاقة مسار المسمى وأدخلته إلى معركة لا داعي لها وصرفت جزءا من الشغل النقدي إلى التسمية بدلا من الموضوع ذاته ، وهم يرون أن الاستعجال وعدم الدقة في التسمية هو السبب بل ينظرون إلى أن التسمية ذاتها مسألة هامشية ما كان يجب أن تأخذ هذا الوضع (1).
وإذا كان هناك من معترض على التسمية فإن هناك من زاد فاعترض على المصطلح ذاته وهو حقيقة أبعد أثرا من مسألة التسمية فعلا وأجدى بالنظر رغم أن التسمية هي أيضا جزء ذو مكانة موحية على الأقل بسلامة المصطلح (2) ، وقد امتد هذا النمط من التمايز ليصل إلى اختلاف حول من صاحب المصطلح ذاته ومن هو إمام هذا اللون ، فعدد من المنظرين يرون أن سوزان برنار في كتابها " قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن " هي أساسا صاحب المصطلح ومن وضع شروط هذا النمط عبر الثالوث ( الإيجاز- التوهج – المجانية ) وإنما قام أدونيس بدور النقل والترجمة وآخرون يرون أدونيس وقد استخلص هذا من مقدمة ذات الكتاب وعدَّه من اجتهاداته ، كما ذكروا بأن أنسي الحاج مثلا نقل ذلك حرفيا عن كتاب سوزان المذكور . (3) بينما ثار أنسي على ذلك في مقابلة معه نشرتها أخبار الأدب قائلا " أنا صاحب أول وثيقة في قصيدة النثر المكتوبة بالعربية ديوان ( لن) هو الكتاب الأول المعرف نفسه بقصيدة النثر والمكتوب بهذه الصفة تحديدا .. والمتبني لهذا النوع تبنيا مطلقا " *، وقد ذكر الخصائص أيضا موريس شابلان في أول أنطولوجيا عن قصيدة النثر بأنها ثلاث ( الإيجاز- التوتر- الجزاف ) حسبما يرى عدنان صائغ (4) .
وقد بدا واضحا أيضا أن الخلاف واقع حول من كتب هذا اللون أيضا فنسب البعض منهم إلى الشاعر الأمريكي والت ويتمان ذلك وقال به رائدا لهذا النمط بينما صحح الآخرون أن ويتمان هذا إنما هو علم لقصيدة التفعيلة أو السطر الشعري كما نسميها وأن هذه القصيدة أي التفعيلة أو الحر Free Verse بحسب نازك الملائكة في كتابها ( قضايا الشعر المعاصر ) إنما كتبها أيضا على ذات النسق أردن وإليوت بينما هذا النمط المختلف عليه أي قصيدة النثر أوProse Poem إنما كتبت على يد آخرين وليس ويتمان من أمثال ربما بودلير ورامبو ومالارميه (5) .
لقد توسع الخلاف حينما انتقل من التسمية والمصطلح إلى المفهوم ومرتكزاته واحتدمت المسألة حينما بدأت تتناول هذه الأجزاء لترى رأيها فيها ، فهل السرد مقبول أم غير مقبول في هذا النمط ؟ ثم أيضا هل الفوضى المطلوبة والمصاحبة للنثر مطلقة أم لا بد من حدود لها تفرضها قوانين الشعرية المنظمة ؟ (6) وكيف يجب أن يتم المشترَط من اللاعقلنة واللامفهومية مع ضرورة وجود المرتكز ؟ وماذا عن درجة الرمز ونوعه وسماته وهل الغموض مطلب أم معبر ؟ وكيف يمكن حل إشكالية ضرورة الانتقال من حاجز اللغة نظرا لمبدأ الهدم من أجل البناء بينما اللغة ضرورة أصلا لتكون القصيدة ؟ طبعا كانت قضية الوزن أساسا والقافية وتأمُّل التعويض بالإيقاع الداخلي وأثر الصورة وحديث كثير حول دور التجربة في تشكيل الإيقاع وهل هو عام أم خاص ؟ وغير ذلك من القضايا الرئيسة التي تجدها بمثابة المدخل الخارجي في الحوارات والاختلافات ، ويزداد الأمر تعقيدا في تناول مواد أخرى من نمط الغرائبية والسوريالية والعبثية والدعابة السوداء وقضايا الجمالية والحداثة والعلائق مع قصيدة النثر .
وهكذا فإن ما يخرج به المرء جليا هو أن لا شيء محدد حول هذه الجزء ولا زال دون التوفيق بمسافة واضحة وهو الأمر الذي دعا بعض منظري قصيدة النثر أن ينادوا بالحاجة إلى كتابة جديدة لقاموس أدبي وبلاغي محدد ربما للهروب من هذا الواقع الخلافي الكبير وإن ظهر على أنه دعوة لتوضيح المشتبه وتمييز المتشابه (7) .
إشكالية الوعاء والحدود :
لعل الخلاف في هذه المعضلة القائمة الدائبة له ما يبرره عمليا طالما أن قصيدة النثر أصلا قد خلقت لنفسها جراء الرغبة في التصادم المبكر مع اللغة حاجزا عنيفا ، ومن خلال رفع شعار الهدم والبناء في اللغة والتناقض الحاد مع اللغة ذاتها حصل تناقض غير يسير الهضم ، ذلك أنه في الوقت ذاته الذي تشترط في ( الينبغيات ) كما يقولون هذا الشرط المسبق في الخروج على المألوف من اللغة فهي لا تنفك بحاجة لهذه اللغة إطارا ووعاء، والعملية ذاتها عملية الهدم والبناء المرفوعة شعارا إنما تتم على اللغة قبل أي شيء آخر (8) ! .
والإطار أو الوعاء أو اللغة المختلف عليها مشكلة حقيقية قطعا أمام حقيقة كون هذه هي نفسها الأداة الموصلة في النهاية لكل من فنون القول أصلا فلا يصح القول عن بدائل للجانب الصوتي كما حاول البعض من وجهة نظرهم الخروج من هذا المأزق عن طريق القول بالقصيدة ( الدلالية ) ويرد على ذلك محمد الصالحي وهو كاتب وناقد من المغرب بالقول : " ويبدو اقتراح تسميتها ( قصيدة دلالية ) لكونها تستعيض عن الجانب الصوتي بالجانب الدلالي ، ولكون الجانب المعنوي فيها أبرز وأظهر ، اقتراحا يزيد الطين بلة لأن المعنى وحده لا يصنع القصيدة ولأن المعنى في الشعر لا ينقل إلا من خلال اللغة ، أي من خلال الصوت " (9) ، ولا أعتقد أن القصيدة هنا يمكنها مثلا الاستعاضة بالبصر والممارسة البصرية لأنها في النهاية قطعا هي ممارسة صوتية خالصة سواء كانت صامتة ذهنية أم منطوقة مسموعة ، ولذلك ما سيتلو لاحقا بالتأكيد من أثر مسائل الإنشاد والنبر والتنغيم .
وبالإضافة لمسألة اللغة فإن هناك مسألة كاليغرافية أو شكلانية تتعلق بالشكل الكتابي ذاته حيث عرّفت موسوعة برنستون للشعر قصيدة النثر بأنها " تأليف له بعض أو كل ما للقصيدة الغنائية القصيرة من خصائص مع استثناء واحد هو أنها تطبع على الصفحة كما يطبع النثر " وهو ما يشير من جهة ما إلى أهمية هذا الشكل الكتابي لتحديدها بينما لا يرى آخرون أن شكل الكتابة له ما يمكن الاتكاء عليه من الناحية الواقعية بل هو صيغة وسيطة كتلك التي تنتج أثناء التفاعلات الكيميائية وتكون غير مستقرة فإما أن تعود إلى وضعها الأصلي وإما أن تخلق شكلا جديدا تماما (10) .
ومسألة اللغة تعرضت بالذات لهجوم حاد من قبل عدد من النقاد والباحثين كما فعل د. إبراهيم السامرائي في كتابه ( البنية اللغوية في الشعر العربي المعاصر ) وقد استجلب فقرات عديدة من كتاب أدونيس ( الثابت والمتحول ) وكذلك عددا من نصوصه ليحاكم من خلالها " جهل " هؤلاء التام باللغة أصلا – على حد قوله – وليس فقط من خلال أخطاء التراكيب اللغوية والدلالات وقواعد النحو والصرف بل حتى من خلال الإنقطاعات في داخل التراكيب ذاتها واستجلاب المحكي والعامي والمحاولات التي وصفها بالفاشلة للتفصيح (11) .
وإذا كان ذلك هو اعتراض من الخارج فثمة قلق كبير أيضا من الداخل حول مسألة : عن أي لغة نتحدث هنا ؟ وكيف نمسك ببنية إيقاعية مثلا في مبحث البحث عن بديل الوزن الخارجي لنص ذي شكل جديد في الوقت الذي لم نحدد إطارا ولا لغة لهذا الشكل الجديد بعد كما يرى الصالحي في ذات المطالعة .
وبالتأكيد لا يجب أن نهمل أن خلافا واسعا يدور ضمن هذه الحدود والإطار عندما يتطرق الحديث لمسألة الأدوات من خيال ورمز والإيقاعية كل ذلك طبعا بالإضافة إلى موضوع الوزن والقافية أساسا ضمن هذه الحدود والمحركات والمصادر في محاولة تفسير الشاعرية بالرؤيا ونسيج اللاشعور والعقل الباطن ودورها في إنتاج قصيدة النثر ، أقول الاختلاف حول جميع ذلك أوضح من أن يتم التجاوز عنه أو غض الطرف .
التباس النقد :
هذه المسألة هي نتيجة واقعية لحقيقة الخلاف أصلا حول النص ذاته وهي تحصيل حاصل ، فمادام النص ذاته لم يتجاوز بعد الحدود القاطعة في التأصيل والإصطلاح والهيكلة فكيف نتوقع درسا نقديا صافيا غير ملتبس ولا مضطرب ؟ قطعا هذا غير ممكن ولقد شهدت بذلك قصيدة النثر إزاء مسألة النقد حدثا فريدا كونها تواجه أولا هجوما من فريق الناقدين المعترضين أساسا على الشكل الحديث للقصيدة بعامة وهم الذين لم يفصلوا النثر عن قصيدة السطر الشعري في محاربتها جميعا والقول بأنها من لغو الحديث لا أكثر ولا أقل وهي مجرد هروب من صعوبات بعينها في قصيدة البيت الشعري " العمود " من نمط التركيب الموسيقي وزنا وقافية وإيقاعا وضوابط اللغة وفنونها الموروثة مما علمناه ووصل إلينا من الموروث وعدم القدرة على خوض غمار التحدي الحقيقي داخل هذه المنظومة بالهروب إلى ما هو خارجها دون قيد أو ضابط (12) . إضافة إلى من هم في صف شعر السطر الشعري ولا يتقبلون هذا النثر المشعور أو المدعي حسب ظنهم شيئا لا يملكه من جهة ، ومن جهة أخرى بعض نقاد قصيدة النثر ذاتها فيما بينهم أنفسهم فكان هجوما نقديا متعدد المصادر .
أما نقاد ومنظرو قصيدة السطر الشعري فقد اصطفوا في مواجهة قصيدة النثر بقوة ومعلوم رأي الشاعرة نازك الملائكة في رفضها المطلق لقبول قصيدة النثر على أي اعتبار خارج كونه نثرا عاديا لا أكثر ولا أقل بل وذهبت تواجه منطق التسمية ومنطوق النمط ذاته في كتابها فتقول : " ويفتح القارئ تلك الكتب متوهما انه سيجد فيها قصائد مثل القصائد ، فيها الوزن والإيقاع والقافية ، غير أنه لا يجد من ذلك شيئا وإنما يطالعه في الكتاب نثر اعتيادي مما يقرأ في كتب النثر " (13) . وكما هو معلوم فإن هذا إنما كان في أول الأمر الذي ظهرت فيه النماذج الأولى ولم يتوقف قطعا مثل هذا النقد بل ربما هو رفض مطلق أكثر منه نقدا وإذا كان ذلك أول الأمر فإن عددا من المقالات لا زالت على ذات المنوال الرافض الصلد حتى أن هناك من انبرى ليشتق تسميات جديدة مثلما ما فعل الباحث محمد الصواف كي يبعد به شبح الشعرية عن هذه النصوص فيسميها "النثعيرة " (14) .
وطبعا طيلة الفترة الماضية وجدت عددا من الشعراء والنقاد ممن ينتمون إلى هذين الفريقين في مواجهة القصيدة الجديدة ذاتها كما حدث مؤخرا بإشعال معركة حامية الوطيس من على صفحات الأهرام القاهرية تقدمها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي (15) وهو قطعا لم يكن آخر الشعراء المؤيدين والمناصرين لأي من النمطين الأولين في مواجهة هذا اللون الجديد.
أما في داخل المعسكر المؤيد لقصيدة النثر فقد وجد من لمح إلى المعضلة النقدية هذه وربما عمم القول ليجوز إلى الشعر المعاصر ليدفع بذلك شبهة الخصوصية في هذا المجال مثلما أشار الأستاذ محمد اليوسفي من تونس في مطالعته عن ( أسئلة الشعر ومغالطات الحداثة ) " إن قصيدة النثر، بما يثيره حضورها بيننا من تصدعات ، إنما تضع الخطاب النقدي في حضرة ما داخل أطروحاته ومسلماته من مغالطات جعلته عاجزا عن الإحاطة بما يعتمل في صميم النصوص وأصقاعها من صراعات وتحولات "، وقد استحضر اليوسفي أيضا لمحمد بنيس قوله : " انظر أيضا ما يقوله محمد بنيس في الموضوع . يذهب بنيس إلى أن " قصيدة النثر ليست أساسية في الثقافة العربية ". ثم يستدرك قائلا الجيل الجديد الذي يشتغل على قضية النثر هو بالنسبة اقي أكثر وعيا بقضايا قصيدة النثر، وبقضايا اللغة . ولذلك فان هذه القصيدة الآن تشتغل بذكاء ومعرفة . ولكن أخشى أن تكون غير واعية بأن الحدود بين ما يسمى بقصيدة النثر وقصيدة التفعيلة هي حدود وهمية ، لأنك إما أن تكتب القصيدة أو لا تكتبها " (16) .
ولوحظ في مرحلة من المراحل اشتباها بعودة بعض من شعراء قصيدة النثر مؤخرا للاقتراب من واحة قصيدة الشعر السطري " التفعيلة " أحيانا وزنا كما لاحظت ديما شكر في مقالها المنشور عن سركون بولص في الملحق الثقافي للنهار البيروتية " لعل في خيارات الشاعر بالاقتراب هكذا من قصيدة التفعيلة ما يفتح المجال لمساءلة قصيدة النثر إلى أين تتجه. يبدو أنها تتجه إلى أن تشارك هي أيضا باستنفاد ما في البحور العربية من إمكانات هائلة ، إذ لا ريب أن النظر اليوم إلى الوزن كأداة للإيقاع كف عن اعتباره مفرطاً بالموسيقى والطرب ، بل يمكن القول أن البحور الخليلية تحمل اليوم أيضا كل ما يلزم كي يكون الصوت خافتاً وهامساً بل مغرقا في التغريب إذا شاء الشاعر ، وعاليا جهوريا إذا أراد . وله أن يقارب الموضوعات التي يريد بحرية ضمن القيود ( كما درجت تسمية البحور الشعرية على يد شعراء قصيدة النثر ) التي تفرضها هذه البحور " (17) . بينما هناك في دعوة شاكر لعيبي في مقابلته مع موقع إبداعات عربية * بالعودة إلى استخدام القافية والإصرار عليها في قصيدة النثر ضمن تجربة خاصة به ما يثير ذات السؤال على حافة هذا الموضوع بحيث يبدو وكأنه نكوص إلى ما تم إنكاره على قصيدة الشعر السطري أولا فكيف يصبح الآن اكتشافا ؟ هناك في أصل المطالعات النقدية السابق ذكرها ضرورة أن تكون قصيدة النثر منفصلة عن كل ما حولها تماما قائمة بذاتها غير محتاجة لغيرها واليوم نجد حديثا مختلفا قليلا يحق لنا معه مثل هذه التساؤل حول حقيقة ما يحدث ومثلا لدينا الآن حديث حكمت الحاج التالي في مطالعته ( البيان الأخير ضد موت قصيدة النثر العربية ) : " قصيدة النثر العربية ليست قائمة بذاتها ، إذ أن لعلاقاتها التجاورية مع الأنواع الأدبية والفنية الأخرى أهمية تذكر . إن جنينا سرديا [ هو رغبة مكبوتة في القص والحكي ] يتَخَلَّقُ دائما في رَحِمِ كل قصيدة نثرٍ عربية أصيلة " (18) .
هناك جلبة كبيرة تؤكد هذا الالتباس النقدي ويمكن مثلا في مصر التأكد من ذلك بيسر من خلال ما أوردته بيان الثقافة في حوارها الذي نقلته حول قصيدة النثر في مصر مع عدد من الشعراء والنقاد (19) وكذلك في لقاءات ومقابلات مختلفة تلمس فيها هذا القلق على مستقبل اللون ذاته (20) وليس فقط مجرد التباس نقدي ولعل صمت عدد من النقاد الأعلام عن تناول ما يحدث كما أشارت أرابيا مثلا في تقريرها من القاهرة بقولها " أما الدكتور جابر عصفور ، أبرز نقاد مصر اليوم فقد اتخذ موقفا عقلانيا من القضية فلم يهاجم قصيدة النثر على رغم قوله إن نحو 90 في المائة من قصائد النثر رديئة " (21) . يثبت أن هناك جلبة كبيرة فعلا .
انفصالية المسار :
إن تضاربا كبيرا نشأ حول مصدر هذا اللون بين عدد من الشعراء والنقاد أنفسهم ممن تحمس لهذه القصيدة أو حتى ممن تصدى لها ، ففي حين كان موقف أنصار البيت الشعري أو ما يحلو للبعض دعوتهم بالكلاسيكيين يصّرحون بأن هذا اللون كغيره مما سبق من نمط قصيدة السطر الشعري " التفعيلة " إنما هو نجتلب من خارج العربية بالتمام والكمال نتيجة الترجمة والإطلاع على الآداب الغربية كما أكد مثلا د.إبراهيم السامرائي في كتابه البنية اللغوية في الشعر العربي والذي نقتبس منه قوله " وأخلص قائلا مع القائلين أن حداثة هؤلاء عمل حيك على منوال جماعة غربيين هم أصل الإيحاء وأن أصحابنا الذين لم يوح إليهم مقلدون وشعراء بإلغاء هويتهم طواعية واختيارا بفعل هذا البريق الغربي الذي خطف أبصارهم " (22) وأشار أيضا لذلك غير مرة د. شوقي ضيف في مصنفاته الأدبية ود. مصطفى الشكعة وغيرهم كثير ، فإن منظري قصيدة السطر الشعري " التفعيلة " وعلى رأسهم نازك الملائكة قد اجتهدت في كتابها ( قضايا الشعر المعاصر ) لتؤكد أن الصنف الذي دعت إليه له ما يبرره من رحم الموروث واستعانت بنماذج للبند العراقي كما بعروضية الشعر ذاته لتؤكد إنما الحرية التي نادت بها لا تعدو حرية توزيع التفعيلات في السطور لا أكثر ولا أقل وبنظام صارم لا يتجاوز ما حددته نظم الخليل لمجموعها في البيت الواحد ، وحينما أرادت الحديث عن قصيدة النثر انبرت تؤكد مرجعاتها الغربية ودعوتها الغريبة كما جاء في كتابها ذاته ( ص153 ) .
وقطعا هناك ما لا يمكن حصره من الأدلة التي أوردها أصحاب النظرية أنفسهم منذ البداية دون حاجة لإنكار بأنه إنما دخل من الباب الفرنسي ومن نافذة برنار كما تقدم بينما نجد مثلا في موقف مضاد من حاول أن ينفي هذا الأصل الغربي بدعوات تأصيل لهذه القصيدة في الموروث العربي ذاته واختار مثلا كما يقول د. عبد العزيز المقالح " أساس قصيدة النثر هو الموروث الصوفي والإيقاع القرآني " ! وهناك من كان من المتحمسين لهذا الطرح آخذا على عاتقه مهمة إثبات هذه الصلة بين ابن عربي وقصيدة النثر ونقتبس من مقابلة لمحي الدين اللاذقاني التالي " ويمكن تلمس جذور قصيدة النثر في طواسين الحلاج وكتابات ابن عربي وخطابات النفري ومواقفه . لقد أهملنا هذه المؤشرات الواضحة وبحثنا في التراث الغربي , ثم جاء ذلك المصطلح المشبوه ( قصيدة النثر ) فاكتملت أخطاء عدم الثقة بالنفس بأخطاء الاستعجال" (23) ولا شك أن أدونيس وسركون بولص وعدد كبير لن يسعدهم مثل هذا القول فهم غير مستعدين لتعديل أقوالهم الأولى في هذا الشأن ، أما اللافت العجيب فهو ما ورد في مقال لضياء خضير في دراسة من منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق بعنوان ( شعر الواقع وشعر الكلمات ) حيث ينقل عن برنار قولها " وسوزان برنار تقول إنه : عبر الترجمات قام الكتاب الفرنسيون بأولى المحاولات في قصيدة النثر التي تختلف عن الرواية وعن الكتابة الملحمية " (24) .
وحتى إثبات ذلك فإن الأمر لا زال على حاله من تأكد وجود ما يحقق العلاقة العضوية والجنينية مع الرحم الغربي دون عناء كبير ، ولكن الأمر هنا يفترض سؤالا هاما بعيدا عن محاولات " الشرعنة " والتأصيل من باب الموروث وهو التالي ، لو سلمنا جدلا بأن لهذا القول ما يبرره ويدعمه فلماذا لا نرى انفصالا حقيقيا في مسار قصيدة النثر العربية عن مسار قصيدة النثر في غيرها من الشعريات وخاصة الغربية ؟ ولماذا نرى إلحاحا على تعلّق قصيدة النثر العربية بكل ما هو في المسار الآخر وعزوفها عن إثبات ذاتها في مسار منفصل عربي حقيقي ؟
الشاعر قاسم حداد يورد على سبيل المثال حلا لقضية التأصيل هذه بالإحالة على الشاعر ذاته فيقول " ثمة خلل في الصدور عن إحساس بضرورة تأصيل كل ظاهرة فنية لمرجعية محددة ، كأن تكون الكتابة ، خارج الوزن ، معطى منسوخا عن تجربة - قصيدة النثر الغربية ، أو أن يكون لهذه الكتابة أسلاف في التراث العربي ، مثل هذا التعاطي لم يعد مقبولا ولا جديرا بالمزيد من البحث فلا عقدة سلطة النص الأول/التراثي ، ولا عقدة النص الآخر/الغربي ، يمكن أن تسعفا كتابة تتخلق كل يوم إن الشاعر ( كذات ) هو المصدر الوحيد لما يمكن أن نسميه تراثا يولد الآن ، فربما كانت . الأصالة هي أن تكون أنت ( الأصل ) لما تبدع ، وباقي الأشياء تأتي فيما بعد " (25) .
ثمة أسئلة عديدة في هذا المجال وتنتظر إجابات وأدلة حقا ، بيد أن اختفاء هذه الإجابات يثير قلقا عميقا دائما حول ما إذا كانت حقيقة كون الانفصالية هذه من باب الاستعارات النافرة والموسميات من المواقف .
الزمانية والثقة :
عدة أمور تعرض في هذا المحور منها مثلا أن هذه القصيدة لا زالت في مرحلة التجريب والتجارب ولم يمض عليها زمن ذو اعتبار حتى يمكن معه إثارة الأسئلة الكبيرة حول منجزاتها ومصيرها ، وأن النصوص التجريبية الأولى قطعا لا شك تختلف اختلافا بينا عن النصوص التي تلت مع الرعيل الثاني مثلا من شعراء قصيدة النثر ومهما كان التعليل وأيا تكن الرغبة في التنميط فإن سببا وجيها مرده إلى الزمانية والتجريب قائم لا محالة شاخص كمشروع إجابة دون حرص على مدى ودرجة إقناعه أو حتى اقتناع أصحابه به أصلا .
إن هذه الزمانية ذاتها التي لم تمكّن ربما في ظن البعض الدرس النقدي من المتابعة الحقيقية أمام انفجار النص الموقوت وليس مجرد رفض عدد من النقاد والمتابعين فقط مثلا كرفض سهيل إدريس من زاوية الناشر الرفض التام التعامل مع النص مهما تبدلت الأزمان في مجلة " آداب " أو غيرها مهما تبدّل الزمن وسواء أكانت في مواجهة مجلة " شعر" أم خارج ذلك (26) .
طبعا هناك عدد من الشعراء الشباب من لازال يصر على شعار مستقبلية قصيدة النثر ويجتهد في الجري خلف ذلك متحمسا ومتأثرا بمساهمات نقاد يبشرون بالشيء ذاته مثلا ذلك المقال الذي نشرته صحيفة الزمان لياسين النصير نقتبس منها قوله " لا بد من أن ننظر إلي قصيدة النثر بوصفها ( نفي النفي ) هي نفي للشعر الحديث ، الذي كان نفيا للشعر التقليدي ، وبذلك لا تعود قصيدة النثر كمطلق إيجابي إلي العمودي والتقليدي ، بل تقفز فوق ركام الاثنين لتصبح ابتداءً يحمل في داخله النقيض ، هذه البنية الجدلية " مثل ذلك القول هل ينسجم تطبيقيا مع فكرة الخروج التي حدثت بمعنى أنه كان لدينا قصيدة البيت وعندما حدث التخلي عن أسس الوزن والقافية المعروفة نتيجة النقيض الداخلي والتناقض تحصّل شكل قصيدة السطر والآن يتم ليس فقط إسقاط ذلك بل إسقاط اللغة وباقي العناصر كنقيض جديد داخل قصيدة السطر الشعري للحصول على قصيدة النثر فماذا يتبقى بعد ذلك ليقال عنه إن قصيدة النثر ولدت فوق الركام حاملة في داخلها النقيض ؟ أعتقد أن النتيجة التالية هي العودة بالشعر إلى ما بدأ تعابير وحركات وإيماءات ربما ستشكل النتيجة المنطقية للشكل الأولي المستقبلي بعد قصيدة النثر إذا سلمنا بما يقول ياسين نصير تطبيقا مباشرا للجدلية وقياسها مثلا على جدلية التاريخ في مفهوم الماركسية .
أما حول الجانب النقدي فقوله " نريد هنا استذكار أو توثيق ما نذهب أليه بآراء الآخرين فمثل هذا التوثيق أصبح سمة نقدية نقليه يفقد الناقد شخصيته حتى ولو رصف رأيا بموازاة ذلك الرأي .. إننا نحتكم إلي قناعات ذاتية وموضوعية أتت خلال الممارسة القرائية للنصوص وخلال استشراق منهجي يجمع الظاهرات الجديدة ولذلك ليس ما يقوله كمال خير بك أو كوهين أو برنارد أو غيرهم إلا أمثلة لتلك الاستشرافات الذاتية ، وعليه فالموازاة النقدية في مثل هذه الظواهر هي المعول عليها في الكشف عن آليات فن واتجاه ونوع لا يمتلك الآخر ــ الناقد ــ الرؤية نفسها للنصوص ، بل يمتلك رؤيته المستنبطة من نصوص قرأها هو وعليه فالكتابة النقدية كتابة موازية لبعضها البعض ، وقائمة علي الكشوفات التي يستخلصها الناقد بنفسه ، ولا بأس أن تكون ثمة دراسة مقارنة أو دراسة تاريخية للنقد شأنه شأن الشعر إبداع لا يقلد ولا يستعير ، وإن استعار خرج من دائرة النقد إلي البحث . في ضوء ذلك ، ما نقوله هنا ، قولنا كله ، قولنا المبني علي اقتناص خاص من أن قصيدة النثر قصيدة مستقبلية " (27) .
بيد أن مثل هذا التبشير لا يحدد رغم ذلك أيا من مرتكزات علمية حقيقية دون أن يتوشح بالتمنيات والآمال ولم يعد مثلا القول بأن هذه القصيدة كما ورد هي نفي النفي وبالتالي لها المستقبل وقطعا إلى حين ، طالما لو سلمنا بهذه الجدلية على غرار ما نقلنا فإنه إلى حين ، حتى يكبر هذا النقيض الذي بداخلها لتستمر الجدلية وقانونها فكيف يصير ذلك مستقبلا منتهيا وكفى ؟ ربما لم يقصدوا المستقبل التام على غرار تطبيقات نهاية التاريخ مثلا ولكن على أي حال لا زال الأمر غير ناضج قطعا لقطع من هذا القبيل سيما وأن المخاوف والنكوص أيضا له ما يبرره من ذات الواقع نفسه الأمر الذي يطرح سؤالا عميقا عن الثقة بهذه التجربة والثقة بمستقبلها وحاضرها أيضا وهو أمر أقلق مثلا عدنان صائغ كشاعر لقصيدة النثر في حديثه عن اشتراطات النص الجيد وتساؤله – قصيدة النثر إلى أين ؟ نقتبس لعدنان أيضا " فتح ماكس جاكوب وتريستان تزارا وبول ايلوار وغيرهم الأبواب أمام العالم لتجريب الكتابة باللاوعي لمجابهة منطق القرن الشرس الذي أدى بالبشرية إلى الدمار والحروب ، فانبرى الكثيرون لتقليدهم بالوصفات الجاهزة مما اغرق العالم ولنصف قرن بطوفان من الكلام الذهني المتكلس المبهم وكلهم يدعون انه حالة من حالات فيض لاوعيهم الشعري ، إذ لم يروا في الدادائية سوى إغماض العينين عن محيطهم والكتابة وفق ما تمليه اليد الآلية وتمادى البعض إلى تجريب المخدرات أثناء الكتابة وفي اعتقاده أن ذلك هو من شروط الكتابة الدادائية . متجاهلاً الظروف الموضوعية التي أنتجت الدادائية وغيرها من المذاهب والمدارس الفنية والأدبية الأخرى ، وذلك هو فخ آخر من الفخاخ التي نصبتها قصيدة النثر للكثيرين ممن لم يتمعنوا في ظروفها الموضوعية ، ولم يرو شروطها أو خيوطها اللامرئية " (28) .
الاشتباك الاجتماعي
هنا تكمن فعلا الساحة الأخطر والمساحة الأوسع لمراقبة المؤشرات الحقيقية الفعالة فيما يتعلق بقصيدة النثر ذلك أن المتلقي يقبع في هذا الركن وما دام أن مآل العمل الأدبي والفني في نهايته بين يدي هذا المتلقي ولا أحسب أن يختلف حول هذا الأمر أحد اللهمّ إلا من هو خارج منطوق الحقيقة ، ولعل نفر من هؤلاء للأسف الشديد قد وجد في ساحة بعض شعراء قصيدة النثر مما خلق فكرة مشوشة عن مجمل شعراء قصيدة النثر ، فقد سمعنا من يدعي الحرص ألا يفهم المتلقي نصه وفي اللحظة التي يحدث هذا الفهم يشعره ذلك بقلق عميق يدفعه إلى التخلي عن هذا النص ونبذه والبراءة منه ، ربما مثل هذا القول محاولة لمحاكاة ما ورد في التراث جوابا لسؤال من سأل لماذا لا تقول ما يفهم ؟ على صيغة ولم لا تفهمون ما يقال ؟ ولكن الفارق كبير قطعا .
ويحضرنا في هذا المقام قول ابن قدامة في توصيف الشاعر " إنما سمي شاعرا لأنه شعر من معاني القول وإصابة الوصف بما لا يشعر به غيره " فهذا لا يجاوز حد فهم الشاعرية ومحاولة إلقاء الضوء على أسباب هذه الشاعرية تفريقا عن باقي أصناف البشر كما رآه ابن قدامة وهو في كل الأحوال لا يجوز ذلك إلى حبس هذه الشاعرية وعدم تمريرها والاحتفاء بأنانية الامتلاك عن طريق تلغيزها ودفعها بعيدا عن هذا المتلقي حتى لا يشعر بما شعر به هذا الشاعر فتكون الممارسة الشعرية في نهاية الأمر هكذا أحادية الإنتاج والتلقي محصورة في ذات الشاعر فقط .!
فهل يا ترى وصلت قصيدة النثر أولا إلى هذا المتلقى ؟ وكيف وصلت ؟ وهل حرص شاعرها وناقدها أن تصل ممثلة له تمام التمثيل ؟ وهل كان حريصا على وصولها مهتما بوصولها على هذه الصفة ؟ وكيف تجاوب هذا المتلقي معها وما كان حظه منها متلقيا وموضوعا ؟ هنا ترد الأسئلة العميقة وتستوجب الملاحظة الدقيقة أيضا ذلك أن هذا المتلقي هو السند الأول للأدب والفن والمنافح العنيد عن حياضه بعيدا عن أي من التأثيرات المصلحية أو المنفعية البحتة والتحالفات المنظورة وغير المنظورة وفق منظور المؤامرات المحتملة على هوامش الصراعات .
ومن المنصف أن يقال أن قصيدة النثر احتفت بجزء هام من حياة هذا المتلقي في صلب اهتمامها ومشروعها وذلك من خلال تركيزها بأنها تطمح إلى التعبير الصادق عن هذا الهامشي واليومي أساسا ويصر شعراء قصيدة النثر على ذلك مثلما يقول لنا مثلا الشاعر حمد الفقيه " لا أوافق على ذلك ، لأن تجربة قصيدة النثر اكثر انفتاحاً على الواقع وعلى الأشياء وعلى الإنسان من أي تجربة شعرية أخرى ..إنها أكثر تلمساً لهموم وحركة الإنسان .. أكثر تلمساً لوميض الأشياء " (29) فهو يؤكد أن تجاوز الأيديولوجيا هو تجاوز الظاهرة الغنائية اللغوية لحساب الإحالة اليومية ولحساب الهامشي .
وقد لمس عدد من المطالعين صعوبات ما على صعيد التوصيل والوصول إلى هذا المتلقي فانبرى ليؤكد أن ذلك ليس مرده إلى القصيدة ذاتها بل إلى غير ذلك تماما كما يقول صالح النبهان في أفق " في ظل هذه الإشكالية ، وجد أنصاف الشعراء ، ملاذهم الوحيد . لقد وجدوا لأنفسهم مخرجا من عزلة فرضتها عليهم قوانين الكتابة الشعرية السابقة . فمن ناحية ، لم يعد أحد يحاسبهم في انتماء النص وتصنيفه فضلا عن موسيقاه . ومن ناحية أخرى ، أغرقوا في رمزية لا مبرر لها ، وما هي من الرمز في شيء يذكر ، فأصبح النص الشعري ( ما بعد الحديث ) بحاجة إلى عراف ليفك طلاسمه وإن فعل فسيقدمه بطلاسم أخرى جديدة إلى المتلقي " (30) . وهو ذات السبب الذي وافق كثيرون على أخذه مبررا أوليا ويطالبنا أصحابه بالانتباه إلى هذه الحقيقة كما فعل عدنان صائغ في اشتراطاته مثلا .
في حوار مع د. عبد الله إبراهيم أجاب مثلا على سؤال من هذا النوع - هل اللغة تشكل عقبة ما بين الكاتب والمتلقي ؟ " إذا كانت اللغة تعني كل وسيلة تعبير، فأنا أعتقد أن الكاتب يعيش أزمة لأن التواصل بدأ يخضع لأكثر من مؤشر بين المبدع والمتلقي ، ويبدو لي أن هناك سلسلة من سوء التفاهمات ، بالعلاقة التي تربط بين الكاتب والمتلقي ، وكأنهما يبثان على موجتين مختلفتين ، ذلك أن اللغة هي وسيلة تعبير وخلق للعالم ، فإذا لم يكن هناك نوع من التجاوب ، ونوع من التواصل والاتفاق والتواطؤ على معرفة وإدراك واستعمال هذه الوسيلة ، فأظن أن الكاتب سيجد نوعا من العسر والصعوبة في إيصال أفكاره وإرسالها للمتلقي ، وبالمقابل يجد المتلقي نفسه إزاء صعوبة كبيرة في فك الغاز ورموز هذه الوسيلة ، وكلما أشيع نوع من الحرية ، وكلما أشيع نوع من المشاركة ، فإن التواصل والتراسل يزداد وينشط بين الكاتب بوصفه مرسلا وبين القارئ بوصفه متلقيا ، وأنا أظن أننا ما زلنا في عالمنا العربي الآن نفتقد التواصل ، وقوة المشاركة التي تمكننا من إنتاج حوار جذري وخصب بين المرسل أيا كان (كاتبا ، مثقفا ، روائيا ، شاعرا ، مؤرخا ، ناقدا) فهو ينتمي إلى أحد النخب الاجتماعية الأخرى التي تفيد المستمع من جهة وبين المتلقي أيا كانت انتماؤه وهويته ، فما زال التواصل محدودا ، فلذلك يظهر لدينا نوع من الغربة الداخلية ، فكأن الكاتب يرسل وهو مجهول للمتلقي ، وكأن المتلقي يتلقى ضمن نظام يجهله الكاتب ، فيجب أن يصار إلى نوع من التلاطف والاتفاق على شفرات مشتركة بين الاثنين بالنسبة للكاتب وهو يرسل وبالنسبة للقارئ وهو يتلقى وأظن أن هذا التواصل محدود كثيرا ، وهو الآن يثير التباسا حول مسائل مثل : قصيدة النثر والتجريب والحداثة . وكثيرا من المشكلات المتصلة بعالم الأدب وعالم الفكر " (31) .
بينما رأى آخرون أن معضلة قصيدة النثر على مستوى المتلقي للشعراء الحقيقين وليس أنصافهم كما تقدم ونورد مثلا لذلك جواب أمجد ناصر كالتالي " أظن أن الجميع الآن لا يكتبون انطلاقا من مقولات التحطيم الأولى ولا من آوهام تغيير العالم ولا حتى انطلاقا من مفاهيم ذات تصور نظري صارم . أظن أن غياب السجال لا يعني بالضرورة أن القصائد قد استقرت في الذائقة أو قد قبلت في المنجز العريض قبولاً تاماً . بل أظن أن غياب السجال أو النقاش حول المفاهيم ، حتى في المفهوم الذي تقوم عليه قصيدة النثر نفسها ، ولماذا قصيدة نثرنا العربية تختلف عن غيرها ، ليس سوى تعبير عن نوع من الكسل الفكري أو عن الإحباط من عزلة الكتابة الشعرية نفسها . إن عزلة الكتابة اليوم والشعرية خصوصاً ، لا تحتاج إلى برهان يكفي أن تحضر أمسية شعرية عربية : وتسأل كم عدد النسخ التي يطبعها الشاعر لتعرف ذلك . واعتقد ان عزلة كهذه لا بدّ لي أن تنعكس على الكتابة نفسها والأسئلة التي تطرحها " (32) .
وإذا كانت هذه الأمثلة تشير إلى حقيقة الأزمة فإن إمكانية العودة عند منظري قصيدة النثر لكتابة القصيدة الأم هل يعتبر اعترافا بهذه المعضلة وهروبا من الإجابة عليها ؟ في بيان الثقافة ثمة ما يشير إلى شيء من هذا القبيل في هذا الملف حيث نقتبس من مقال مفيد نجم في هذا الملف " والحقيقة أن العديد من الشعراء عادوا إلى كتابة القصيدة الكلاسيكية كما فعل أدونيس , لكن جميع هؤلاء الشعراء ينتمون إلى الأجيال السابقة في الشعر العربي في حين <span lang="AR-KW" style="font-size: 16.0pt;