الســـــــيــاب ناثــراً

شـاكر لـعــيــبــي

 

هل يمكن أن تنطوي معاني بدر شاكر السياب الناثر، على ذات معاني السياب الشاعر المعروف الذي ينحني على التخيِّل والاستعارة والمجاز؟

هل بالإمكان تجزئة الكينونة الإبداعية في الذات الواحدة لخلاق كبير مثل السياب والتفريق بالتالي بين الشاعر والناثر المعلنين عبر قلمه هو نفسه؟

هذا التساؤل يمتلك مشروعيته لأن الأمر يتعلق بالنوع الكلامي، بالكلمة المنطوقة وليس بنوع إبداعي ذي خصائص وقوانين مختلفة مثل النوع البصري أو الموسيقي أو فنون المحاكاة المسرحية

وإذن فهل توجد في هذا النوع الأدبي المخصوص (لكن المستخدم بطريقة فريدة في الأدب الرفيع) موهبتان، الأولى تخص الشعر والأخرى تخص النثر؟

نعلن هنا بأننا لا نحب مفردة (الموهبة) المستخدمة في وصف المبدعين في حقول الكلام، الشعري والنثري كليهما، حتى لو أننا استخدمناها بسبب عدم امتلاكنا لبدائل مقنعة قادرة على (تظهير) الغامض في عملية الإبداع اللغوي أياً كان حقل استخدام اللغة

عندما نقرأ (أنشودة المطر) و(المومس العمياء) و(شباك وفيقة) وغيرها من قصائد السياب، فإننا دون شك إزاء (موهبة) شعرية كبيرة تأسست على قول المعنى مداورةً عبر الصورة الخلاقة والاستعارة الفريدة وكذلك عبر لغة مصفاة غير مثقلة بالكثير من الهوامش. في هذه القصائد نتماس مع الجوهري الطالع في عمارات شعرية محكمة البنيان في الغالب، وفيها القليل من الاستعادة والإطناب

هنا يشتغل المبدع الشاعر على عمل محدود الملامح ويقوم بتشييد نصه بالأدوات الجديرة، لوحدها، ببناء القصيدة: الاستعارات والمجازات التي تـُخفي أو تـُناثِـرُ الدلالات

في هذه القصائد قوة وفرادة وحضور طاغ وفيها الكثير من الصدق، هذا الصدق الـمُفتَقَد في الليلة الظلماء للشعرية العربية الراهنة

في مخيلة السياب ثمة توجّهٌ نحو المطلق حتى وهو يستحضر الطفيف والشخصي. لقد كان قادراً على تحويل (بويب) النهير الضائع بين بساتين النخيل، تلك الساقية التي لا يعرفها أحد إلى مصاف نهر أساسي في جغرافيا العالم، ولقد كان متمكناً إلى درجة الارتفاع بمقام (وفيقة) السيدة البَصْرية المجهولة إلى طبقة كبيريات المعشوقات العربيات في كلاسيكيات شعرنا، والانتقال (بالشناشيل) إلى مصاف عمارة أبدية يجري التطلع منها نحو الأبد. لقد كان قادراً على قذف (جيكور) في الشمولي وفي المطلق

لو تركنا جانباً الأقنعة الرمزية والتاريخية، اليونانية والعربية، التي كان السياب يستخدمها انطلاقاً من الوعي النقدي لمرحلته، فقد كان يراهن، جوهرياً، على فكرة الانتقال بالحميمي والطفيف والشخصي المعروف إلى مستوى إنساني دافق وغير شخصي وغامض غموضاً شعرياً يـُطـَلـِّعُ المعاني والدلالات. وقد نجح على ما يبدو في رهانه

لكن هل كان بمستطاع السياب ناثراً أن ينتقل، في كتاباته وملحوظاته النقدية التي بحوزتنا، بالموقف الحميمي والمشهد الطفيف وبالتعالق الشخصي إلى أفق أعرض، غير شخصي ويصلح نموذجاً معرفياً؟ أم أن مطالبة الشاعر بتقديم معرفة نقدية متماسكة هو أمرٌ لا طائل من ورائه على أساس أنه مطالب فحسب بكتابة الشعر؟

الكتاب الذي أصدره المغربي حسن الغرفي سنة 1986 تحت عنوان (كتاب السياب النثري) يصلح مرجعاً لعمل السياب في هذا الحقل، وإليه سنعود في هذه المداخلة

 

لنقرر هنا أن كتابات السياب ناثراً تتبقى في (العام) الذي لا يقول إلا فكرة عريضة وعجماء يمكن قولها على أي لسان ألا وهي مشكلة (الإنسان في مواجهة الشر): "لو قيض لنا أن نطلع على الآثار التي قال الزمن فيها كلمته بأنها رائعة خالدة، لوجدنا أن سر خلودها وروعتها كامن في أنها جعلت من الصراع بين الإنسان وبين الشر وقواه موضوعها" ص16. هذه القضية بهيئتها المطروحة في هذا الاستشهاد لا تطرح إشكالاً حقيقياً. لأننا سنتقبلها بوصفها إعادة قول للبداهة التي هي لفرط بداهتها ليست البتة بداهة، وهو ما تبرهن عليه أعمال إبداعية، شعرية ونثرية، ربما كان (فاوست) غوته يقف على رأسها حيث الاندغام عميق ومحير، بل مقنع، بين الشر والخير، وهو كذلك ما يبرهنه شعر وسيرة حياة أكثر من شاعر إنكليزي وفرنسي وروسي (رامبو، بودلير. .) حيث يصير الاندماج والتعايش بين الرائي وتاجر العبيد والمقامر واقعة لم تنف شعرية الشاعر وحيرته كليهما. لقد كان بإمكان بودلير أن يرى العالم مليئاً (بأزهار الشر) التي هي استعارة بليغة لهذا الإندغام. وهو ما يبرهن عليه، من جهة أخرى، سيرة ونصوص شاعر عربي كبير هو أبو نواس المنظور إليه، في كتابات السياب النثرية وبتبسيط شديد، بوصفه (شعوبياً) ص21

لا تبرهن، بشكل خاص، أعمال السياب الشعرية المنطلقة مما يسميه، هو، بالتجربة (الذاتية)، على عمومية مشكلة الشر بالشكل الذي يطرحه هو نفسه

مشكلة (الإنسان في مواجهة الشر) التي يعلنها السياب كأطروحة أساسية لوعيه النقدي تعاني من شروخات. لم يكن الوعي النقدي المعمَّم في حقبة السياب ليسمح كما يتوجب باستنطاق خللٍ من ذاك القبيل وتحليله من زوايا أكثر رهافة. بالطبع فإن سياق المرحلة ضروري من أجل فهم عمل الشاعر ناثراً، وفهم طبيعة المصطلحات التي يستخدمها. من هذه المفردات مفردة (الالتزام) المطروحة بقوة في خمسينات القرن الماضي. لقد كان وعيه النقدي يمارس رد فعل على استشراء المفردة وابتذالها بسبب صعود لغة حاسمة ونهائية كان الفكر اليساري في العراق والعالم يبشر بها. يزعم السياب في مواجهة ذلك أن الالتزام متأبد في تاريخ البشرية ص36 وحاول أن يراه مترسخاً في التاريخ العربي بل يبدو وكأنه تحصيل حاصل طالما أن الشاعر الجاهلي كان مدافعاً عن قبيلته أي (ملتزماً) بشروط وجودها ص38-39. هل يُقارَبُ الالتزام المعاصر حتى بأكثر أشكاله ابتذالاً باندماج الشاعر العربي القديم بقبيلته؟ لم تكن المشكلة لتظهر، حتى في وعي بداية الستينات النقدي (كتب السياب مقالته "الالتزام واللالتزام في الأدب العربي الحديث" سنة 1961)، بالطريقة بالغة البساطة التي يقول بها شاعرنا الكبير

بهذا الاتجاه نفسه تظهر شذرات نقدية للسياب بشأن (الواقعية) مثلاً. وإزاء الواقعية الإشتراكية المبتذلة التي خبرها عن قرب، كان يتكلم عن واقعية أخرى يفترض أن تكون أكثر رحابة، لكنها مقالة بالتباس اصطلاحي واضح. يلتقي السياب هذا النمط من الواقعية في عملي إليوت (الأرض الخراب) وجون شتاينبك (عناقيد الغضب) مستنتجاً: "ورغم أن الشاعر الإنكليزي الكبير انطلق عن وجهة نظر دينية، وأن الروائي الأمريكي الكبير انطلق عن وجهة نظر اشتراكية، فالقصيدة والرواية من روائع الأدب الواقعي الحديث"ص23. من الواضح أن ثمة التباس في ترسيم الحدود بين (الواقعية) كمدرسة أدببة وفنية وأعمال روائية تستمد من (الواقع) مادتها

ومن دون شك فبدر شاكر السياب شاعر طليعي فذ، لكن ما هي حدود الطليعية في سياقات العالم العربي وفي الفترة الخمسينية والستينية على وجه الدقة؟ من الجدير بالقول في معرض هذا السؤال أن نقاد السياب ودارسيه لم يعيروا الكثير من الانتباه إلى أفكار محددة في نثر الشاعر لا تتطابق مع الممارسة الثقافية الطليعية التي عبَّر عنها شعرياً. والأمثلة كثيرة ومنها تبريراته للجوئه إلى (الغموض) في قصائده الغزلية، ففي المقدمة التي كتبها لديوانه (أساطير) يقول

"كنت مدفوعاً إلى أن أغشى قصائدي بضباب خفيف، وذلك لأنني كنت متكتماً، لا أريد أن يعرف الناس كل شيء عن حبي الذي كانت كل قصائد هذا الديوان صدى له، فقد كانت"موحية" هذا الديوان تغضب أشد الغضب إذا أنا ذكرت شيئاً عن قبلاتنا ومواعيدنا.."ص12-13

أننا أمام رومانسية حالمة في الحقيقة، وليسنا أمام تأويل نقدي حاذق يمكنه أن يرى ضرورات الغموض في داخل النص وليس قادماً من اشتراطات برانية. سيعاود السياب تفسيره لمشكلة الغموض في شعره بهذا المنحى نفسه، وهو يتحدث عن رمزية شعره السياسي المعارض للسلطة الملكية في العراق

من أفكار السياب تلك كذلك نفيه عن الشاعر العربي القديم أية نزعة ذاتية وزعمه بإطلاقية ان الشعراء "كان هدفهم الرزق على أكثر الأحوال ولم يكن هدفهم الشعر.."ص79 وغير ذلك

يمكن القول بعد قراءة متمعنة لرسائله ومقالاته وحواراته القليلة، أن السياب ناثراً لا يتطابق بالضرورة مع السياب شاعراً، سواء لجهة الدلالات التي يقولها نصه النثري أو لجهة أسلوبه الفني. ففي مقالته (وسائل تعريف العرب بنتاجهم الأدبي الحديث) المنشورة في مجلة (الآداب) سنة 1956 لدينا مثال واضح على نثر لا يغوص في الجوهري ويحوِّم حول البداهات دون أن يستنطقها أو يقدِّم نظرات لـمَّاحة بشأنها ولا بقادر على خلق (أسلوب) نثري شخصي باهر يقارب أسلوبه في الشعر. ها هنا مقطع من تلك المقالة

"وقد رأينا كيف يحفل نتاجنا الأدبي الحديث بالكثير مما يعود على أمتنا بأغلب الضرر، ومما يتوجب علينا أن نحاربه. وإن أيكال محاربة أي لون من ألوان الأدب إلى الدولة، إنما هو تسليط للدولة على الأديب وأنه تسليط قد تستغله الدولة في محاربة الأدب الواقعي الذي ندعو إليه. وليس هناك من سلطة تُندب للقيام بهذا الواجب المقدس وأعني به محاربة الاتجاهات الضارة في الأدب. والنقد، بعد، عامل من عوامل الموضوعية لإنضاج الأدب وبالتالي نشره بين الجماهير العربية.."ص30

يبدو أن ثمة مسافة بين السياب الشاعر والسياب الناثر، لا نستطيع تأويلها فحسب بالقول أن السياب لم يستطع أن يكمل نضوجه الفني والأسلوبي بسبب وفاته المبكرة

 

إننا نلتقي بتفارق ملموس، من الناحية الأسلوبية، بين لغة الشاعر ولغة الناثر

 

نعرف أن كلا الفنيين هذين يشتغلان وفق منطق وقوانين خاصة بهما، الأمر الذي لا ينفي أننا سنتوقع، منطقياَ، اللقاء بنفس الرجل المبدع كل مرة نقرأ له فيها نصاً أيـَّاً كان نوعه الفني، بينما لا ننتظر البتة اختلافاً بلاغياً ومعرفياً أساسياً في ممارساته الكتابية كلها. وإذا ما طابقنا بين السياب شاعراً وبينه ناثراً فإن الوضوح والنصاعة والقول مداورةً في أسلوبه الشعري ليست بالضرورة رديفاً للعمق المأمول لديه ناثراً، وليست البساطة في قوله المنثور اسماً آخر للجوهري إلا في تلك المواقع التي يعود فيها، كما يفعل الشعراء ولكن بطرائق النثر، إلى طاقة الاستعارة القادرة على إضاءة المعاني العميقة. مواضع قليلة تبرق كالشهب في نثره، ففي معرض تعليقه مثلاً على العلاقة بين الشكل والمضمون نراه يقول: "أن الجوهر الجديد هو الذي يبحث له عن شكل جديد ويحطم الإطار القديم كما تحطم البذرة النامية قشورها"ص86 أو قوله أثناء تعليقه على إحدى القصائد: "لا يمكن لقصيدة السيد عيسى أن تطمح بالوقوف حتى في ظلها"138

لماذا لا نلتقي بأسلوبٍ استعاري في نثر السياب؟ هل هو حاجة ماسة في عمل الناثر كما هو الحال في عمل الشاعر؟

إننا نعلم أن السياب كان معجباً بنثر الجاحظ، وقد كان يعرف، على ما يبدو، أن ما يمنح الرصانة لنثر الجاحظ هو حثه للمعاني عبر قولٍ غير مباشر، يقترب حثيثاً من أرض الشعر المزدهرة بالمجازات والاستعارات. إذا ما قورنت النصوص النثرية المهمة في تاريخ الأدب العربي بنصوص مماثلة مكتوبة بنثر إنشائي باهت فهي تقول بأنها تستمد عزمها وقوتها كذلك من تلك الأرض الشاعرة. درسٌ نظري لا ينسجم مع الممارسة النثرية للسياب الذي يقف غالباً على تخوم الكلام الصحفي السائد في خمسينات الثقافة العراقية، غير قادر على أن يمتلك، موضوعياً، بدائل نثرية أخرى أكثر بهاءً ولا مراجع أفضل من نثر مرحلته الريادية. لقد توصلت ثقافتنا لاحقاً إلى اكتشاف نثر آخر يفوح بعبق جديد عبر الترجمات على اختلاف أنواعها وترجمات الرواية بشكل أخص. لقد خلخلت الترجمةُ لغةَ وطرائق القول المنثور ومنحت الشعر والنثر العربيين لغةً لم تعد هي نفس لغة الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي

سوى أن تدخلاً خارجياً على الحقل المخصوص للثقافة العراقية والعربية مثل عملية وفعل الترجمة لا يستطيع لوحده حلّ المفارقة المطروحة. فبين أسلوب السياب النثري الذي نزعم أنه لا يرقى إلى أسلوب شعره وبين رؤية السياب النقدية بشأن، مثلاً، ما يمنح الشعر شعريته نلتقي مرة أخرى بالمفارقة عينها: تلك الرؤية تظل ثاقبة ورائدة من بين غالبية كتابات الخمسينات رغم جميع ما نزعم تشخيصه هنا. يلفتُ السياب انتباهنا إلى أن (عمود الشعر) المستخدم لدى أسلافنا إنما قد فهم خطاً من طرف الكثير من معاصري السياب ومعاصرينا. لأن الأمر لا يتعلق بتقسيم شكلي للبيت العربي إلى شطر وعجز، وإنما هو مصطلح يضرب في تربة أخرى أبعد وأعمق: "المقصود بعمود الشعر، يقول السياب، هو طريقة استخدام المجاز والاستعارة"105 ويلح، محقاً، على أن النقد الذي وُجه لأبي تمام بالخروج على عمود الشعر لم يكن ليعني، بحال من الأحوال، الانفلات من نظام البيت ولا من قانون القافية وإنما بالضبط على خروجه (الأسلوبي) وكثافة وجدة الاستعارة في شعره التي لا تعاود قول البلاغات النمطية المعممة ولا الصور والمعاني المعروفة. بعض من لمحات السياب هنا ستصير في ثمانينات وتسعينات الثقافة العربية حقلاً للبحوث اللغوية والألسنية الأكثر تخصصاً. هنا يلقي السياب بدرس ثمين في معرفة الشعر من الداخل، وهو يؤكد لقرائه ونقاده بأن المشكل ليس من طبيعة شكلانية بقدر ما يمسّ (جوهر) الشعر ويتعلق بمفهومة (الشعرية) التي لم تكن معروفة يومها. هكذا كان السياب يعرف أن استخدام الكلام بطريقة مجازية (سيقول البنيويون الغربيون انحرافية) هو العلامة الفارقة (للعمود) وأن المروق عليه إنما هو فحسب عدم التقيد بالمعايير البلاغية الثابتة أو الصور المتعارف عليها

يجد السياب تحققات لخروج أساسي على العمود القديم لدى شاعر عظيم مثل أبي تمام طالما تعرض للنقد العنيف. يعاود السياب إعادة الاعتبار لأبي تمام في أكثر من مناسبة، في أحاديثه ومقالاته القليلة وتعليقاته النقدية واصفاً إياه بالشاعر العظيم ص117(الصفحات 145 – 146 – 192- 198- 217 من الكتاب مرجعنا الحالي). أنظر مثلاً إلى قوله: "ودونك أبا تمام لتعرف كيف كان يستخدم التاريخ والأساطير وشعر السابقين وكل ثقافته، في شعره..". من هذا الباب سيبدو السياب مجدداً كبيراً يمتلك الوعي كما الجرأة في قبول فكرة الحداثة المنظور إليها في زمانه بريبة كبيرة في الشعر وغيره

إذا ما وضعنا تأملات السياب النقدية بشأن أبي تمام وجهاَ لوجه أمام نظرات شاعر عراقي أحدث سناً وهو فوزي كريم الذي لا يرى أبا تمام بالعينين نفسهما لطلعنا بدرس آخر حول السياب. ففوزي كريم لا يجد، على ما يبدو، في شعر أبي تمام تجاوزاً على العمود بالمعنى الذي كان يقوله السياب، وإنما يرى فيه لعباً لغوياً وشكلياً وجماليةً سريعة العطب (والتعبيرات تعبيراتنا) لأنها لا تذهب إلى معنى إنساني عميق ولا تثير في الروح سؤالاَ كونياً. لقد كرَّس فوزي كريم لأبي تمام صفحات طوال في كتابه الممتع والجدير بالقراءة (ثياب الإمبراطور) يمكن العودة إليها. ستضع مقاربة الموقفين موقف كريم من أبي تمام وكأنه نوع من عودة للنقد القديم ذاته الذي طالما عاناه أبو تمام، بل وكأنه احتراس ثابت من كل لغة وأسلوب شعري لا يتطابق مع معيار نهائي راسخ في الثقافة (أو في الثقافة الشخصية لناقد محدد)، وكأنه المعيار المطلق للشعر. موقف كهذا ربما يكون قناعاً في رفض تلك الحداثة التي كان السياب ومجايلوه يبشرون بها

هذا الخلاف الجذري حول أبي تمام بين شاعرين جديدين مشهود لهما بالموهبة ولو انتميا إلى جيلين مختلفين، يطرح، من طرف بعيد، مشكلة أخرى: إن السجال لم يحسم بعد وليس بالوضوح الكافي بشأن الشعرية في الأدب العربي، وانه مستمر منذ أربعة عشر قرناً. إنه يقول لنا، أقلها، أن الحداثة حداثات وإنها قابلة للتراجع بل النكوص. كما يقول لنا بشكل أساسي أن شاعراً أقدم في السن، من طراز السياب الخمسيني، قد يكون أكثر جرأة وأبعد في الحداثة من شعراء لاحقين طالما قيل لنا (ولا نعني فوزي كريم بالضرورة) أنهم الأصوات الأجرأ والأحدث والأعمق من بين جميع أجيال الشعر العراقي

على أن وعي السياب المبكر بقيام الشعر على أساس اختراق مستمر للعمود الشعري الثابت يطرح مرة أخرى مشكلة حقيقية أمام نثره الذي –ونحن نعاود قول الفكرة طوعاً- لم يستطع الخروج عن (عمود نثري) مماثل إلا قليلاً، كما يطرح الأهمية القصوى للوعي النظري والنقدي في عمل الشاعر. فلطالما تصوَّر الكثير من الشعراء العرب أن الانحناء على وعي نقدي معمَّق من شأنه صرفهم عن المجهود الشعري المحض الذي هو دورهم الأول في الحياة. هل كان هذا الوهم يصيب السياب ناثراً؟

لا نعرف على وجه اليقين، الأمر الذي لا يمنعنا من ملاحظة أن التواضع الجم هو فضيلة الفضائل لدى السياب، فالكيفية التي كان السياب ينظر بها إلى شعره وشخصه ومجايليه لا علاقة لها البتة بما يقوله اليوم كبار شعراء العربية، ناهيك عن صغارهم، عن أنفسهم ومجايليهم

إن التواضع والرجوحية، وهما سمتان من سمات الشعر نفسه كما نحسب، كانت في صلب وعي السياب: "مطامح جيلنا وأشواقه قد أصبحت أوسع وأعمق. وإننا نحاول التعبير عنها، وقد ننجح حيناً ونفشل في أغلب الأحيان"ص102 و"على كل حال فما زلنا في بداية الطريق، مازلنا نحاول ونجرب، وقد ننجح في هذه المحاولة وقد لا ننجح"ص70، و"لنكن متواضعين ونعترف بأننا ما نزال في دور التجربة، ويحالفنا النجاح حيناً ويصيبنا الفشل أحياناً كثيرة"ص129، وفي تقديمه لمجموعة شعرية لشاعر شاب، لم تنشر أبداً، نراه يعترف بالآخر قائلاً: "حين يقدِّم شاعر من جيل ما، ديوان شاعر من الجيل اللاحق لجيله، فكأنه ينعى للقراء نفسه. ولكن ما الحيلة وتلك سنة الحياة ولولاها ما تطورت من الحضيض إلى العلاء، ولما حصلنا على هذه السلسلة الذهبية من مذاهب الشعر ومدارسه"ص71

وفي يقيننا فإن السياب شاعراً لم يقل كلمة تخالف جذرياً تواضع السياب ناثراً. وبندرة نادرة سنلتقي لديه بالصوت الفرداني، المفرط في فرديته بتلك "الأنا" المتضخمة المعروفة في تاريخ الشعر العربي برمته، قديماً وحديثاً، إلا بالطبع في قصائد مرضه. بهذا السياق المحدود وليس بسياق آخر، يتطابق الشاعر والناثر تطابقاً مثالياً وينسجم الكائن مع ذاته في حقول القول كلها

لعله من البديهي الإشارة بأننا عندما نتحدث عن (الناثر) فإننا لا نفعل سوى التحدث عن (الناقد). تبرهن حالة السياب أن الشاعر ليس بمنأى عن المشكلات النقدية العويصة لعصره، وأنه يكاد يكون مجبراً على قول كلمة نثرية، نقدية بشأنها

لقد صرَّح السياب، من جهته، وطرح أفكاراً وتصورات عن البعض من تلك المشكلات وعن أسماء من مجايليه بأسلوب نثري واضح، تقريري، بل تعليمي أحيانا مفارق إلى حد بعيد لأسلوبه الشعري الاستعاري والرمزي (والرمزي مفردة كان السياب يستخدمها في توصيف شعره من دون دقة اصطلاحية مرات)

 

لقد قـُدمتْ تأويلات من طبيعة سايكولوجية لتذبذبات السياب، ربما لا تكفي لوحدها في فهم كيف يمكن للشاعر في بحر سنوات قلائل الذهاب من موقف إلى موقف آخر في منتهى التناقض، مثل موقف السياب من الحماس الشديد للالتزام إلى نبذه التام: "لا أكتب هذه الأيام إلا شعراً ذاتياً خالصاً. لم أعد ملتزماً. ماذا جنيتُ من الالتزام؟ هذا المرض وهذا الفقر؟"ص88. هذا التأرجحٌ الايديولوجي العنيف يماثل تأرجح اللغة والمنطق والوعي بين الشاعر والناثر. وإنه قد يجيء من وطأة الحياة السياسية العراقية على الأثر الأدبي وفي عمل الشعراء. لقد كان السياب يرى عن حق أن "السياسة والأدب عندنا – يقصد في العراق- ممتزجان بشكل يتعذر معه الفصل بينهما"ص172، في تصريح قد يمنحنا مفتاحاً لفهم تأرجحات السياب الناثر، العقلاني الذي كان يعيش الواقع الملموس الثقيل ولم يكن يعيش فحسب في عوالم الشاعر وهواجسه وأحلامه ومخيلته

صحيحٌ أنه لم يتهيء للسياب العمر الطويل لكي يقدم لنا تصوراً مطولاً لمفهومه الدقيق عن الشعر. إن اللمحات التي قرأناها له بهذا الشأن ما زالت في طور الدفاع عن الشكل الجديد للقصيدة العربية. لذا فأن غالبية سجالاته قد انصبتْ، إذا ما استثنينا صراحة قوله بقيام الشعر على الاستعارة، على مشكلة الوزن: "لذا فالثورة الحديثة على القافية تتماشى مع الثورة على نظام البيت"ص85 وذلك من أجل التأسيس لوحدة القصيدة ص85. لقد ألحَّ السياب كثيراً على الوحدة الموضوعية للقصيدة، وفي نقده لقصيدة البياتي (سوق القرية) ثمة مثال صارم على ذلك ص88. إلحاح دالٌ ودائبٌ يجد من دون شك جذوره النظرية في أعمال إليوت الذي يستشهد السياب به مراراً

إننا نرى أن توقف السياب أمام وحدة القصيدة كان يطمح إلى تثبيت وإبراز ضرورة أن تعلن القصيدة (معنى) عميقاً قبل أي أمر آخر. هذا ما نهجسه من نقد السياب الغريب قليلاً لشعر نزار قباني: "إن شعر نزار أشبه بالشيكولاته تحسه ما دام في فمك، إلا أن طعمه يزول عندما تنتهي من وضعه. وأنا شخصياً لا أشجع انتشار مثل هذا الشعر، وإن كان شعر نزار لوناً يحتاج الشعر العربي إليه، إن نزار لوحده كاف. فحاجة المرء إلى الشيكولاته ليست كحاجته إلى الماء والخبز وشعر نزار شكولاته"ص97. ويعاود قول ذلك في مكان آخر: "إن الخبز هو الغذاء الأساسي للبشر والشعر الحديث يغري كل الذين يكتبونه. لكن البشر لا يستطيعون الاستغناء عن الفاكهة، وشعر نزار قباني كالفاكهة الشهية"ص196-197. فالماء والخبز،كما قد يقول السياب، هو هذا المعنى الجوهري، الرمزي الذي يتوجب، حسب رؤيته، أن تنطوي عليه قصيدة ملمومة على نفسها، قصيدة ذات وحدة. وفي الحقيقة فان التاريخ لم يثبت بعد صحة تصور السياب عن شعر قباني، إذا لم يفعل العكس. سوى أن نقده لقباني يعني أن السياب يمتلك مفهومة سامية ومثالية للعملية الشعرية التي كان يريد منها كما يبدو أن تكون، بالدرجة الأولى، تعبيراً عن صراع درامي، خارجي أو داخلي، بين الإنسان ونفسه أو بينه وبين الشر، غير راغب بالتعرف على شعر يتناول البسيط والعادي والجميل الذي لا يتخلى عن العمق والدلالة. وقد يعبر موقف السياب إزاء شعر نزار، من جهة أخرى، عن غياب الرقة والشفافية والأنثوية في الحياة الثقافية والشعرية والاجتماعية العراقية التي لم تستطع استيعاب رقة وشفافية وأنثوية شعر قباني الغزلي مهما اعترضنا على بعض اعتباراته. لا أهمية للفاكهة القبانية إذن أمام العذاب العراقي الحقيقي منه والمتخيَّل. وعلى أية حال فإن الفواكه ما فتئت غائبة عن الأفواه العراقية لألف سبب وسبب ليست البتة من طبيعة زراعية أو جغرافية

كما أن رؤية السياب ص111 لمجلة (شعر) الأكثر انفلاتاً وحريةً تظل، مرة أخرى، محكومة بنظرة الثقافة الوطنية العراقية (المقيَّدة) إلى قضية الحرية نفسها في الشعر وغيره. فهي لم تستطع أن ترى وما زالت قضية الحرية بعيداً عن أفقها المحلي الضيق. وقد استلهمتْ غالباً نموذجها العراقي بوصفه نموذجاً مطلقاً. تبرهن أسئلة الصحفيين والكتاب العراقيين الذين كانوا يحاورون بدر شاكر السياب (المنشورة في مرجعنا) على هذا الوعي العراقي الثابت، والضيق الأفق عندما يتعلق الأمر خاصة بمجدد كبير مثل السياب وبأي مجدد لا يقول بداهاتها المقيمة. هذه المشكلة كان السياب يعانيها من دون شك

هكذا نرى أن اعتبارات من نمط (لا شعري) وغير نقدي تتدخل في العمل النقدي للسياب وفي الكثير من النقد والشعر العراقيين قبله وبعده كما لاحظنا ذلك في أكثر من مناسبة

وعطفا على مشكلة الحرية وطروحات مجلة (شعر)، فقد كان السياب يعارض الشعر غير الموزون: "علينا أن نحارب هذا النوع الذي يطلقون عليه بالشعر وهو ليس من الشعر بشيء" 80. لقد كان يعرف مصطلح (قصيدة النثر) ولم يكن يتقبله: "وأنا ضد الشعر الذي بدون وزن" ص120 (والصفحة133 وخاصة الصفحتين 177 و186 حيث يطرح السياب وعياً تبسيطياً إلى حد ما)

 

يبدو السياب، في تقييماته الأخرى لشعراء عراقيين وعرب، وهو يتحفظ أو يمتدح أو يخلط النقدي بغيره: لقد كان ينتقد "التكرار الممل" في شعر البياتي، ويشير إلى "الحسد والمنافسة المتفشيين في الأوساط الأدبية" التي تمنع طلوع نجم عبد الرزاق عبد الواحد، وإلى "عدم امتلاك علي الحلي لمفهومة جديدة لشعر"، وإلى "الهياج الذي يفسد إمكانيات الشاعر" كما هو حال كاظم جواد (ص194-195)

وثمة مواقف أخرى في غاية الغرابة لم يقلها مباشرة وإنما قالها مستشهداً بأقلام كتاب آخرين وكأنه موافق بالتمام عليها. ففي رسالة ثقافية كتبها لمجلة (حوار) يقتبس مطولاً فقرات كتبها القومجي جلال السامرائي حول (أولئك الذين) "يحاولون التقرب بحذر من مصالح الجماهير ومعتقلات الإرهاب ومأساة الإنسان الجائع المضاع في بلادنا"207 ويصف موقفهم، والسياب ينقل على الدوام من السامرائي، بالموقف "المتردد الحذر (الذي) هو نتيجة شعور هذه الفئة بأنها شريكة، بشكل أو بآخر، لعصابات التقتيل الوحشي الذي مزَّق المئات من أبناء شعبنا"207. يقدم بالطبع هذا النقد تشخيصاً سايكولوجياً لمرض متوهَّمٍ لدى شعراء اليسار العراقي في التاريخ الوطني القريب

هل من الإفراط القول إن أسوأ أنواع نثر بدر السياب تتماشى مع أسوأ الحقب في تاريخ العراق السياسي الحديث؟. وكما لو أن الأمر ليس بمحض المصادفة فإنها تساير الحقبة الموجعة من مرضه الشخصي ودراما حياته الشخصية وتتطابق مع مرض المجتمع العراقي في سنوات الستينات. ففي الرسالتين الثقافيتين التي كتبهما، بصفته مراسلاً من العراق، إلى (حوار) التي أشرنا إلى واحدة منهما أعلاه تظهر آثار انكسار أسلوبي وفكري. ثمة فقرات مطولة في إحدى تلك الرسالتين كانت إعلاماً وترويجاً ومديحاً لشعراء وأساليب لا نظن بأن السياب كان ميالاً إليها، أمثال محمد جميل شلش "ودواوين – والكلام للسياب نفسه الآن- لشعراء عراقيين قارعوا حكم قاسم بشعرهم منها ديوانان للشاعر عدنان الراوي هما (من القاهرة إلى معتقل قاسم) و(المشانق والسلام) وديوان للشاعر هلال ناجي اسمه (الفجر آتٍ يا عراق).. وديوان (طعام المقصلة) للشاعر علي الحلي"205 وفي نفس الرسالة يصف عبد الجبار داود البصري بأنه "شاعر مبدع وواحد من أكبر النقاد العراقيين القلائل"

في هذا النثر تفوح رائحة الأيديولوجيا وطعم المصالح والمصالحات التي لا نجد لها مشابهاً صريحاً في شعر السياب. لقد كان الشاعر العراقي الكبير يروج هناك لجريدة (الجماهير) القريبة من حزب البعث الستيني، ويصفها بأنها "أكبر الصحف وأوسعها انتشارا" 205-206 من دون أن نعرف فيما إذا كان يؤمن بالفعل بما يقول أو أنه كان محكوماً بشروط غزل سياسي. وعلى أية حال فمن الجلي أن الناثر- المراسل يقف في القمة التي تفصله عن جسده الشعري الحقيقي. ثمة سياب آخر مختف في هذه الكتابة، سيابٌ لا يتعرف عليه منجزه ولا تتقبله حداثته. كان الشاعر يذهب إلى الجوهري بينما ينهمك الناثر في المصالحات

 

هنا نقطة مفيدة: من الواضح أن السياب كان يجرؤ من بين جميع أقرانه في العراق، مع نازك الملائكة، على الكتابة النقدية والنظرية حول الشعر. إن نظرات بلند الحيدري الشعرية وشذرات عبد الوهاب البياتي لم تترك، رغم عمريهما الشعريين الطويلين، أثراً في حركة الشعر الحديث في العالم العربي. لقد كانا منهمكين في ممارسة الشعر لوحده، بينما كان السياب والملائكة منغمرين بالمغامرتين الشعرية والنقدية، وهو أمر يدلّ على حيويتهما وعلى وعيهما بضرورات تدعيم النص الشعري برأي نقدي. يدل التاريخ الأدبي أن الشعراء الكبار يمكن أن يمتلكوا في آن واحد ممارسة شعرية خلاقة ووعياً نقدياً حاذقاً. من هوميروس إلى أوكتافيو باث، ومن أبي العلاء المعري إلى أدونيس فإن مساحة الشاعر مضاءة بالبرهان النثري

وإذا لم يكن السياب ليعلن، للأسف الشديد، انسجاماً واتساقاً بين مساحة النثر وبرهان الشعر، فإنه كان يمتلك الجرأة الكافية للخوض في مشكلات نقدية تخص، بشكل مباشر، عمل الشاعر

هكذا يبدو وكأن الشاعر مجبرٌ على عدم الاستسلام (للموهبة) الشاعرة ولربات الشعر ولواديه العربي المزعوم، منتبهاً إلى أهمية أن يبقى مفتوح العينين على المشكلات التي يطرحها العالم عليه وعلى شعره

يبرهن السياب ناثراً، رغم جميع العثرات الممكنة، أن هذا المسعى واجب من أجل بناء القصيدة. يتوجب، في تصورنا، فهم ابتعاد دلالات نثره عن معاني شعره بصفته تعبيراً عن انجراف الشاعر العربي وراء وهم الموهبة الشعرية، لوحدها، الغائمة الملامح غير المدعومة بجهد واضح من نوع آخر

نظن أن تمجيد موهبة الشعر الغامضة والمعتبرة بمثابة معطى نهائي ممنوح لكائن من الكائنات كهدية مجانية، هو نوع من التعويض عن اندثار الممارسة النقدية المعروفة جيداً في الشعر العربي القديم. لنلاحظ في هذا المقام أن الوعي النقدي لأسلافنا لم يكن يفصل فصلاً نهائياً وحاسماً بين موهبة الشاعر وموهبة الناثر، ولنتذكر (كتاب الصناعتين) الذي يضع جنباً إلى جنب صناعة الشعر وصناعة النثر. إن عدم وجود نظرية نقدية للشعر في تاريخنا الشعري المعاصر هو الذي قاد إلى الاعتماد بشكل خفي، لكنه عاملٌ، على ممارسة شعرية شبه دينية ومن طبيعة سحرية، حيث يستمد الشاعر وضعيته ويتأهل أدبياً انطلاقاً من مجد مُسبق الصنع، كما من صورة ثابتة ثبوتاً غريباً عن الشعر والشاعر في الذاكرة الثقافية. وهذا ما يفسِّر لنا، في آن واحد، وفرة الشعراء اليوم والضعف العام في وعيهم الجمالي والنقدي

جنيف في 31-8-2001