30/10/2004

حوار مع الشاعر والباحث العراقي شاكر لعيبي : مازالت الثقافة العربية ضحية المحرمات

حاوره: محمود عبد الغني

هو شاعر "عربي على دراجة هوائية" في جنيف، كما وصف نفسه ذات مرة في قصيدة جميلة تحمل نفس العنوان، إضافة الى كونه شاعرا فهو ايضا ناقد جمالي، ومتأمل دائم في الهامشي والخفيف في الثقافة والإنسان، وباحث في أدب الرحلة العربية، كان آخرها تحقيق "رحلة ابن فضلان" ربما لأنه رحالة بامتياز فقد رحل من بغداد الى بيروت، قبرص، دمشق لتستقر به الرحلة في جنيف حيث يقيم اليوم شاكر لعيبي شاعر ثقافته واسعة ومتنوعة ومترجم دقيق لنصوص كبيرة: روني شار، آرتر ميلر هذا الحوار اقتراب منه شخصا وشاعرا ومثقفا

أنت شاعر عراقي غادرت العراق لتقيم في جنيف، نريد أن تحدثنا عن تجربة المنفى والاغتراب فالعديد من الكتاب والشعراء العراقيين هم في المنفى ولكل حكايته ماهي حكايتك؟

"
شكرا جزيلا المنفى هو رحلة تراجيدية طويلة بالمعنى الاغريقي للكلمة أنا لا أريد أن أذكر الاسباب، فهي كثيرة ومتعددة لكنها في الغالب كانت بحثا عن أفق آخر للحرية وللانعتاق الإنساني داخلي بعيدا عن الاجواء الخانقة التي كانت تضيق أنفاس الكلمة والثقافة والإنسان في العراق وهذه الاجواء لم تنته إلا بانتهاء النظام العراقي السابق رغم ان العراق اليوم يعيش حالة مجتمعية غير واضحة
الرحلة قادتني الى أماكن عديدة من بغداد الى بيروت، وعدن، ودمشق وقبرص ثم الى جنيف حيث استقريت وبقيت أكثر من عشرين سنة طبعا المنفى شيء ذو شوكة ثلاثية، كأنها شوكة الإله اليوناني هرمس الثلاثية، يمكن ان تكون مفيدة جدا ويمكن ان تكون قاتلة فلو كنت صيادا فهي مفيدة ولو كنت قاتلا فإنها تساعدك على القتل عندما توجهها الى الاضلاع فالمنفى هو شوكة هرمس الثلاثية وبالطبع بالنسبة لي على وجه الخصوص كان المنفى عالما من الإثارة المستمرة والمفاجآت الكبيرة، سواء على مستوى الكشف، كشف الآخر، او على مستوى المعرفة أتاح لي المنفى التعرف على الثقافة الفرنسية، وهو ما لم يكن متاحا لي في العراق فقد قرأت الشعر الفرنسي بلغته الاصلية، فأُخِذْتُ به أخذا بقراءة هذا الشعر وعرفت فيما بعد ان لغتنا العربية لم تستقبل بما يكفي هذا الشعر، باستثناء الترجمات القليلة التي نعرفها كما أتاح لي المنفى زوايا نظر مختلفة للعالم والاشياء وتأتي زوايا النظر هذه من الحرية التي يشعر بها الكائن في التفكير والوجود والتفكر في المشكلات المطروحة، وهو ما لايُتاح لكبار مثقفينا بالرغم من كل قدراتهم العظيمة، كما لو أن السياق الذي تشتغل به ثقافتنا العربية هو أحد الكوابح الكبرى امام تفتق الافكار وزوايا النظر المختلفة للمشكلات المطروحة والمنفى ايضا فتح عيني على عمق مشكلاتنا العربية اللصيقة بوضعنا وبثقافتنا وهذه المسافة ضرورية لمعرفة الحقيقة

*
أنت من الشعراء الذين أولوا أهمية قصوى للتكوين الجامعي والثقافي وهذا يتبين من خلال دراساتك ومقالاتك وهنا أذكر على سبيل المثال المداخلة التي ساهمت بها حول الرحلة في ندوة الرحلة المقامة بالمغرب، وتحقيقك لرحلة "ابن فضلان" التي قدمت لها بدراسة هامة جدا ومن خلال ترجماتك ، خصوصا ترجمتك للشاعر الفرنسي "روني شار"، والدراسة التي نشرتها حول هذه الترجمة بعنوان "هل يمكن ترجمة روني شار؟" إضافة الى دراساتك وكتبك حول الشعر العربي، نذكر منها "الشاعر الغريب في المكان الغريب" الاخ شاكر نريد ان نعرف مصادر تكوينك؟

"
درست علم النفس في الجامعة المستنصرية ببغداد، ثم درست في المدرسة العليا للفنون البصرية في جنيف، حيث درست فن الرسم والنحت وأنا أمارس ايضا الرسم والنحت كمتعة وهذا ما يضيف الى عملي كشاعر بعدا آخر، بعدا بصريا ثم أكملت دراساتي العليا في علم الاجتماع، وانجزت أطروحة في العلوم الاجتماعية في جامعة لوزان، كان حقل تطبيق فرضياتها هو الفن الإسلامي وهو الامر الذي جعل مني سوسيو لوجيا متخصصا في الفن الإسلامي، إذا صح التعبير فأنا لست مؤرخا للفن، ولكنني اضطررت لدراسة تاريخ الفن لكي أبرهن على بعض الفرضيات المتعلقة بعلم الاجتماع لكنني لست باحثا اكاديميا بالمعنى الجامعي العربي بمعنى أن أي باحث جاد وعميق لابد ان تكون عنده بعض الاشراقات، ونوع من روح التركيب الخلاق، نوع من التوليفة الخلاقة لمعطيات أكاديمية وهذا ما لا ألاحظه عند العديد من الباحثين الكبار في حين أن أهم المفكرين الاوربيين لهم روح التركيب هذه وهي تنبثق من إشراقات داخلية ومن حدوسات، ومن تفكير غير سائد البحث الاكاديمي ليس مجرد تجميع لمعطيات ومعلومات مدرسية ووضعها أمام القراء الباحث يجب ان تكون له شخصية ووجهة نظر في الموضوع المدروس بهذا المعنى فأنا باحث يحاول دراسة كل ماهو منسي ومتروك في ثقافتنا فعندما ترجمت "روني شار" الذي أشرت إليه، طرحت أمامي مشكلة حقيقية: لماذا لم يترجم روني شار على نطاق واسع في الثقافة العربية، ولم تترجم منه إلا الشذرات وظننت للحظة ان صعوبة النص الفرنسي وطريقة اشتغال هذا النص، وطريقة اشتغال اللغة الفرنسية التي تختلف جذريا عن طريقة تركيب واشتغال اللغة العربية، هي المانع الرئيسي امام ترجمة روني شار
درست كذلك الصورة الفوتوغرافية، في كتاب لي منع للاسف الشديد في غالبية الدول العربية، اسمه "الشرق المؤنث، او عري عربي" وفيه نشرت مجموعتي الشخصية من البطاقات البريدية الفوتوغرافية لنساء من شمال افريقيا عاريات او شبه عاريات وكانت بالنسبة لي موضوعة العري العربي موضوعة هامشية تستحق الدراسة والبحث أنحني على الابواب العربية ودلالاتها الاجتماعية والرمزية والجمالية ومنذ عشر سنوات وانا أهيىء كتابا في هذا الموضوع: جماليات الباب العربي وفي كتاب نشرته باللغة الفرنسية عنوانه "التصوف والفن البصري" انحنيت على أشكال الحجابات والطلاسم واعتبرتها نوعا من الرسم وفي أطروحتي درست توقيعات الفنانين المسلمين على القطع الفنية لماذا وضعوا أسماءهم؟ وذلك نوع من التوقيع وكانت محاولة لإعادة الاعتبار الى صناع وحرفيين وفنانين مجهولين الخلاصة ان الباحث الاكاديمي لابد ان يحمل مشروعا وجوديا هذا إضافة الى مشروعي في الشعر وهو مشروع محض شخصي اشتغل فيه بهدوء وأنا لا أنشر نصوصي الشعرية الا قليلا ففي السنوات الماضية نشرت مجموعة من المقالات التي تذهب عكس التيار على سبيل المثال انا مولع بالتجريب في شعري، وهذا ما لاحظه أكثر من ناقد وباحث لكنه ليس التجريب المجاني، بل التجريب الذي يندغم في الشكل وفي دلالاته وفي آخر مجموعة من مجموعاتي توصلت الى كتابة قصيدة النثر فيها قافية

*
انت تدافع على هذا التوجه كثيرا، وهو ما أثار استياء العديد من الشعراء

"
نعم هناك ردود فعل متشنجة وغريبة، وأكاد أقول رجعية فإذا كنت تؤمن بالحداثة، تعرف أن الحداثة هي تجريب مستمر ولا يوجد أي أي عنصر شكلي يمنع استخدامه، سواء الوزن أو القافية أو اللعب السجعي أو الصوتي والدلالي، وتقسيم الكلمات واستخدام بياض الورقة كل هذه عناصر متاحة للشاعر لإدماجها في مشروعه الشعري وجدت في موقف البعض من استخدام القافية موقفا رجعيا وضد حداثي، وكأننا وصلنا في قصيدة النثر الى الطريق المسدود أو إلى عمود جديد للشعر العربي، كما وصلنا في العصور الخوالي إلى قوننة عمود الشعر العربي وكأننا اليوم، في الشعر الحديث، نريد أن نضع قانونا جديدا، وهذا يتنافى أصلا مع جوهر فكرة الحداثة التي هي تجريب مستمر
*
الأخ شاكر نريد أن نفصل قليلا في هذه النقطة الغامضة والمحيرة التي هي كتابة قصيدة النثر بالقافية وهذا الموقف تعرض لإدانة شعرية ومرد ذلك الى أن شاكر لعيبي شاعر حداثي ويعود فجأة الى عنصر شعري ماضوي أرهقنا وأرهقناه، بل إن إمكانياته استنفدت في الشعر العربي الحديث يمكن أن نقبل هذا التجريب من زاوية ذاتية خالصة، وإن كان لا يفيد حتى على هذا الصعيد، لكن من الصعب تأسيس شعر ممكن، وقصيدة نثر ممكنة بقافية ولماذا لا تكتب قصيدة النثر ببحور الخليل مثلا هذا باب إذا فتحناه فلن نغلقه أبدا
ويمكن أن تكتب قصيدة نثر بلغة قديمة وبمعجم قديم وبنفسية قديمة وانتهى الأمر لكن هل تعتقد أن هذا التجريب يمكن أن يحدّث لغة الشعر؟

"
هذا مسعى شخصي لا أريد أن أعممه هذا مسعى أعتقد أنه يمكن أن يطور الشعر الحديث، وليس المسعى الوحيد والمهم أنه أسلوب شعري يسبح عكس التيار ولكي أضيء قصيدة النثر بالقافية سأعطي بعض العناصر، أولا أنني أحد أكثر الناس انزعاجا من نمط قصيدة النثر كما تكتب اليوم على نطاق واسع بسبب سهولة كتابتها، وبسبب نسجها على قوالب جاهزة وسائدة، وبسبب ارتكازها على لغة موحدة وزي موحد نقرأه من منطقة الخليج الى أقصى المغرب العربي ثالثا عدم وجود معرفة خلفها، وخوض الكثيرين ممن يعتقدون أن الشعر هو عملية سهلة تخلو من التجربة الشعورية والإنسانية، والظن أن الشعر هو مجرد لعب على مجموعة كنايات اسميها "كنايات حديثة"، وخصوصا هذا النوع من الكنايات التي يوجد فيها المضاف والمضاف إليه وهذا ابتسار للنص الشعري ورده إلى صيغ مسبقة الصنع، وتحس خاصة أنها تخلو من الدفق العاطفي والشعوري، وتخلو من قدرة التأمل في الأشياء وفي العالم بطريقة أكثر حذاقة وأكثر تغلغلا في مسافات الروح لذلك فأنا أمتلك موقفا من النمط السائد الآن، رغم أنني شاعر أكتب قصيدة النثر ثم إنني لا أرى اليوم تعارضا بين النزعة الغنائية الرصينة والمحسوبة وبين الحداثة (يجب أن نؤكد أن الحداثة في الشعر لم تعرف تعريفا دقيقا في الثقافة العربية)
في كتابي "الشاعرالغريب في المكان الغريب" تحدثت عن فكرة الجيل التي لم تعرف تعريفا دقيقا إذن أنا لا أرى تناقضا بين الغنائية المحسوبة وبين الحداثة وبالتالي أرى أن هناك جفافا يسود الشعر اليوم، الذي تنقصه الروح والطراوة والمائية والقافية ليست إلا وسيلة لإعادة الروح في هذا الشعر، وليس إقحامها إقحاما تعسفيا وقد جاءت في شعري هكذا، بين العفوية وبين التأمل النظري مرة كنت على دراجتي التي أستخدمها يوميا في جنيف في تنقلاتي، فبدأ يرن في رأسي مقطع من قصيدة فنزلت من الدراجة واتجهت إلى أقرب مقهى، وبدأت أكتبه فجاءت القافية وهذا المقطع أصبح قصيدة "عربي على دراجة هوائية" وأنا اندهشت عندما وجدت القصيدة عبارة عن قصيدة نثر بقافية من هنا بدأت هذه المغامرة التي انبثقت في مسافة بين عفو الخاطر وبين التأمل وبين التراكم النظري وكتبت مجموعة قصائد بهذا الاتجاه وصدرت مجموعتي الشعرية "الحجر الصقيلي" وضم قصائد نثر بقافية وقد كانت ردود الفعل متوترة جدا وبدون أدنى شك فإن الفكرة لم تكن تستهدف إدراج قافية مجانية في النص البعض انتقدوا هذه التجربة بدون أن يقرأوا نصا واحدا، وإنما الفكرة وحدها أثارتهم ودفعتهم على انتقادها وأنا أرد على ذلك في فصل من كتابي "لغة الشعر" أنا أحاول تطرية (جلب الطراوة) قصيدة النثر بشكل تلقائي وعندما راجعت ردود الفعل التي كانت ضد الشعر الحديث ثم ضد قصيدة النثر كانت بنفس القسوة التي ووجهت بهاتجربتي كأن ثقافتنا العربية، وهي تزعم قبولها بالجديد والحديث، هي جوهريا محافظة وأنتهز هذا الحوار لأقول إن في مجموعتي القادمة "عقيق مصري" سأدرج جميع هذه النقود البالغة القسوة

*
عندما قرأت مقالاتك التي تدعو فيها إلى كتابة قصيدة نثر بقافية، وقرأت اعتراضات نقاد وشعراء أذكر منهم حاتم الصكر وخضير باسم المرعبي اعتبرت المسألة خروجا عن السرب واعترضت بدوري ليس بشكل ثقافي، بل بشكل تجنيسي إن شئت فالجنس الأدبي لكي يتطور لابد أن يفقد عنصرا أو عدة عناصر تكوينية فالشعر عندما تطور من العمودي الى الحر الى قصيدة النثر كان يفقد في الطريق عدة عناصر تكوينية وهذا شيء منطقي استجابة لشرط تطوره من بين هذه العناصر التكوينية نجد الوزن، القافية، المعجم، الصورة الشعرية إلخ وهي عناصر فيها الثابت وفيها المتحول، فيها الدائم وفيها الزائل لكن فكرتك حول قصيدة نثر بقافية هي في العمق عودة الى عنصر زائل في الشعر ومحاولة تركيبه ضمن تركيبة شعرية جديدة هي في غنى عنه بل إن شرط وجودها وتطورها وحياتها هو التخلي عن هذا العنصر

"
لكنني أقول من باب منهجي إن العناصر التأسيسية للقصيدة كما أسميتها لا تعني شيئا لوحدها فأي عنصر من عناصر الشعر: اللغة، المفردة، الوزن، السجع، القافية، الصورة لا تعني شيئا لوحدها، معزولة ولكنها تعني شيئا عندما تشتغل بكيفية معينة في النص سأعطي مثالا على ذلك، لايزال محمود درويش، وحتى أدونيس، يستخدمان القافية في نصوصهما، وهما من كبار شعراء العربية اليوم فعندما نتحدث عن الحداثة فنحن نتحدث عن رؤية حديثة للعالم
عندما يستخدم محمود درويش على سبيل المثال الوزن والقافية فلسنا بمعرض اتهام على الإطلاق بأنه قد نكص نكوصا بالغا عن الحداثة فالوزن والقافية في شعر محمود درويش من العناصر الأساسية التي تساهم في تصعيد الحالة الداخلية للنص إذن، ما هو المانع في أن نعود إلى الوزن والقافية، بعد أن هجرناهما، إذا كانت هذه العناصر مفيدة في بلورة رؤية الشاعر للعالم، وطريقة كتابة القصيدة وبخصوص الوزن فأنا لي وجهة نظر أخرى
أحد النقود التي وجهت إلى هذه القصيدة هو أن في كل بيت من أبيات شاكر لعيبي هناك وزن مختل والخلاصة أن شاكر لعيبي يكتب قصيدة شبه موزونة فيها قافية، وهي قصائد تذكرنا بالسياب هذه خلاصات غريبة وهذا كلام باطل فكل الكلام العربي إذا قمنا بتقطيعه سنجده على وزن ما


30/10/2004

الإتحاد الإشتراكي 2004- جميع الحقوق محفوظة