Shaker Laibi

الشِـعـْرُ الاسـتـِهـلاكـيُّ

إنتاج الشعر في مجتمع غير مُنتـِج

 

شاكر لـعـيـبـي

 

 

المبدأ الذي تقوم عليه المجتمعات الاستهلاكية هو أن عليها أن تبدَّل في الغد السلع التي تشتريها اليوم، أن تستهلكها على عجل لكي تشتري غيرها. هكذا لا تتوقف عجلة المنتجين وتستمر حركة الإنتاج. هكذا كذلك ستتوفر فرص العمل للمزيد من التقنيين والمخططين والعمال والمهندسين والمعلنين ومن يدور في فلكهم

في هذه الدورة الأبدية ثمة حمى للاستهلاك : الجميع يهجمون على الأسواق من أجل شراء البضائع الجديدة، الثلاجات، الساعات، الخواتم، الشراشف، الموبيليا، الأقلام، الأحذية، الأجهزة الإلكترونية، الكتب..إلخ. على الجميع ملاحقة الجديد غير المتوقف رامياً في المزبلة تلك الحاجة التي قيل له، عبر الإعلانات، بأنها صارت عتيقة. ثمة حمَّى وهوس لا مجال أثناءه إلا للقليل من التفكير العقلاني. تتشابه مجتمعاتنا العربية مع مثيلاتها الأوربية لجهة انحنائها الثابت على مبدأ الاستهلاك. سوى أن الفارق الجوهري هو أن المجتمعات في أوربا والأمريكيتين، إضافة إلى نزعتها الاستهلاكية، هي أنها كذلك مجتمعات منتجة. إنها تُنتج السلع ونحن لا ننتجها. إنها تُنتج، من جهة أخرى، النصوص الفكرية والنقدية ونحن نكتب الهوامش الثقافية

هذا المستوى، في الغرب والأمريكيتين، يظل من ذات الطينة الاستهلاكية. فالصحافة منتوجٌ مثل غيره من المنتوجات. الكتاب كذلك، والثقافة أيضاً طالما أنها محكومة بـموجات متغيرة، متناوبة، متعاكسة ومتقاطعة من الخطابات التي تقوم، من بين أشياء أخرى، على نمط (أو موظة ثقافية)

من الوجودية إلى البنيوية، ومن الماركسية، إلى نفي الماركسية إلى خطابات موت التاريخ السائدة، الفوّاَرة في حقبة ثم المنطفئة في حقبة أخرى، لا يوجد فحسب مجال للتحليل العقلاني، الرسخ، أو المتغير ببطء يليق بالعقل، لكن ثمة، وبجرعات كبيرة، الكثير من النـزعة الاستهلاكية

تبرهن فكرة (ما بعد الحداثة) على ذلك بطريقة خفية لأنها تقبل وتتقبل، جوهرياً، جميع المنتوجات الثقافية في مجتمع استهلاكي. إنها تبرر وضمُّ في حقل عملها وخطابها جميع المنتوجات الثقافية سواءً كانت راقية أو كانت أقل رقياً: الفنون الشعبية ، الفن الساذج، النـزعات الاعتباطية في الرسم، النسوية، الذوق الريفي في الموبيليا، التجريد والتشخيص، رسوم الأطفال كما رسوم المتخلفين عقلياًإلخ

 

والشعر؟

حتى الشعر سينسجم مع هذه الحمى. إن ما بعد حداثته المبحوث عنها بحرارة ستقرِّبـُه، مثلاً، من الموسيقى السائدة في سوق الاسطوانات (البوب، الجاز..) وتحاول ملائمته مع الأشكال الموسيقية الأكثر انشقاقاً عن تقاليد الموسيقية الغربية القائمة على الهارموني. وسيتحول في بعض الحالات إلى محض بحث شكلاني في الأصوات، أو إلى عبارات ترفض الترابط المنطقي الداخلي، إلى مجرد إشارات لغوية أو استخدامات طباعية تخاطب العين قبل مخاطبة الإرث الإيتمولوجي للقاموس

 

على أن تاريخ الشعر الأوربي لا يسمح فحسب بالإلعوبة الشكلية والصوتية. وكما في ثقافتنا فإنه راسخ في مكان عميق في الوعي الثقافي ويمثل حاجة مطلقة تتجاوز أية فكرة تجريدية، حداثوية أو حداثية حقيقة

على أننا سنلتقي، في سياق الحتمية الاستهلاكية هذه هنا وهناك، بتشابهات دالة، حيث السائد في كليهما ينسجم مع حمى ثقافة مستعجلة، مثل السوق، وغير متأملة تعيد إنتاج المنتوج وتكرر إعادته، منسجمة مع السرعة وراكضة وراء الموضة المتجددة. إن لعبتها هي إنها تسرف في إعادة انتاج المنتوج الشعري مستفيدة من انحفاره في ضمير العالم ملتقية، عبر مجد الشعر القديم، بمجد مزور لها وهي تحوك على منوال السائد عبر آلاف القصائد وملايين الكلمات المتشابهة المقبولة في السوق الإعلامي والصحفي. الشعر ضمن ثقافة مستَهْلِكة يتحول إلى تنميط وإعادات وقاموس ثابت وموضوعات مقيمة. الكل يستعجل كتابة نص، نفس النص الموحَّد، الواحد لكي يدخل في سباق المألوف آملاً أن ينال أطرافاً من ذاك المجد

صحيح على ما يبدو أن لكل حقبة (نسقها) المعرفي ومصطلحاتها ثم مفرداتها في الثقافة والشعر، لكنه صحيح كذلك أن مجتمعات غير منتِجَة على مستوى السلعة الحياتية التي تستخدمها في حياتها اليومية ستكون غير قادرة، منذ البدء، على خلق نسقها الثقافي ومفرداتها، إلى درجة أن الشعر الجاد فيها سيتغرب كما تغرب صالح في قومه

هل ثمة من وجه حق في مقاربة (الاستهلاك السلعي) في المجتمع العربي (باستهلاك الشعر) فيه؟ هل ثمة من تعسف في إقامة مقاربة من هذا القبيل ستبدو لعين مغرضة وكأنها محاولة لتطبيق فكر اجتماعي شائخ على ظاهرة أكثر حيوية وأكثر هروباً من تحديدات أي فكر؟ لا يبدو لنا ذلك

إننا نسعى إلى إعلان الكيفية التي تغدو فيها لغة الشعر السائد اليوم، الـمُعادة، المستهلكة، الـمُلاكة لوكاً، الـمُتداولة دون تمحيص، القريبة من لغة أسوأ أنواع الشعر المترجَم، ثم أنساق جمله الثابتة، المتشابهة، الـمُعادة في اليمن والمغرب وفي مصر وسوريا والخليج ولبنان، كيف تغدو (نسقاً) يماثل ويوازي (نسق) استهلاك نفس السلعة المتَداولة والمتشابهة الموجودة في الأسواق التجارية للعالم العربي

وإذا ما كانت هناك سلعٌ تُنتج بطريقة موحدة ميكانيكية في قوالب المصانع التي تكرر نسخها إلى ما لانهاية فإن هناك اليوم في العالم العربي شعراً مسبق الصنع بالضبط وفق قوالب مماثلة

ومثل المجتمعات الأوربية فإن منتجي شعرنا هم أنفسهم من يستهلكه. هكذا تتم الدورة الاقتصادية بإحكام شديد. يتبقى الفارق المشار إليه آنفاً مهما: إن ثقافتنا لا تُنتج المتن إنما تعاود قول الهوامش. ما يشفع لها شعرياً هو وجود إرث طويل للشعر العربي. لكن حتى هذا الإرث يجري اليوم تجاهله أو الجهل به لصالح (السلعة الشعرية) المستَهْلـَكـَة في ماكنة الصحافة وفي خفة تعاطي دور النشر لهذا الشعر نفسه

ستصيب هذه النـزعة حتى أولئك الذين يضربون بأطنابـهم في التقليدية والمحافظة، حتى الرقابات والوزارات ووسائل الإعلام والمجلات الأكثر تخلفاً صارت كلها تتقبل هذه السلعة تماشياً مع قوة حضور النسق الشعري المطروح بوفرة على مستوى الاستهلاك الثقافي العربي. البعض يـمرِّر نشر وطباعة نصوصٍ لا تمتُّ إلى أصوله المعرفية ولا إلى ذائقته بصلة: إن قوة الاستهلاك أقوى منهم وأعتـى

ثمة إذن شعرٌ لاستهلاك الثقافة العربية اليومي. ثمة عرف ثقافي يتقبل وجود هذا الشعر مثلما يتقبل، صاغراً أو على مضض، أن يكون مسْتَهْلِكاً سلبياً للسلعة الاقتصادية: الأولاد والبنات والآنسات والشبان العرب يستهلكون جميعاً الحاجيات القادمة من هناك، والجماعة الثقافية التي تتوهم الأوهام تستهلك لغة شعرية مـنـمَّطـَةً

العودة الى صفحة المقالات