Shaker LAIBI

قصيدة النثر بوصفها نوعاً شعرياً مخادعاً

شاكر لعـيـبـي

علينا التأكد في البدء من أن (قصيدة النثر) هي نوعٌ صعب

إن تأرجحها بين النثر والشعر هو بالضبط المشكل الرئيسي الذي تطلع منه جميع الإشكاليات الثانوية الأخرى: فهي اليوم على يد كثير من ممارسي الكتابة الشعرية تصير نصاً نثرياً هشاً، لا رصانة فيه وتشبه أسوأ أنواع الكلام المترجم حرفاً بحرف، تصير مرات رطانة صريحة، لكنها تصير هي نفسها على يد شعراء متمكنين من أدواتهم الاستعارية والبلاغية نصاً من طراز رفيع: شعراً

 

علينا أن نثبت هنا أن الحد بين الشعر والنثر يقع، بالنسبة لنا، في خلق الاستعارة الطرية الجديدة، وشحنها بالمعنى الفريد. الاستعارة إذن هي لبُّ الشعر كنص أدبي مكتوب، ولا نتكلم عن (الشعرية) التي قد تحضر مثلاً في الأنواع الروائية والبصرية

لذلك فإن عدم اتكاء قصيدة النثر على أيٍّ من المقوِّيات الشكلانية الـمُعتَبَرة منذ البداية مفصلاً شعرياً، كالوزن خاصة، يدفع بها لأن تستند على ما نحسبه جوهر الشعري: الاستعارة المُقالة بالضرورة عبر ترنيمة أو دوزنة معينة تتابع حركة الإحساس الداخلي للشاعر. هذا الإيقاع يطلع كضرورة من داخل اللغة الشاعرة وليست عنصراً خارجياً متعالياً على النص جرى الإقرار مسبقاً به(كما الوزن التقليدي) وليست كذلك عنصراً تابعاً للنص، إنما هو جزء عضوي من حركة اللغة الاستعارية والمناخ المحبوك خيطاً خيطاً وكلمةً كلمةً

 

يتعلق الأمر إذن بالكيفية التي نفهم بها الشعر

 

إن الحرية التي يسمح بها هذا النوع هي، ضمن التصور الموصوف أعلاه، تظل من طبيعة مخادعة، لأنها على يد شاعر مُـجيد، إنما هي انهماكٌ بالصفاء الداخلي، بالروح العميق للشعر بعيداً عن كل القيود الخارجية. حرية مخادعة وغدارة لأولئك الذين يحسبون الشعر مجرد استسلام لقولٍ ينطلق على عواهنه

 

قصيدة النثر- ونحن نقبل التسمية بالمعنى الذي حددناه- تقدّم الحرية في كتابة الشعر على طبق من ذهب شرط الذهاب وراء الشعر نفسه وليس وراء ما يشبهه

 

الكثير مما نقرأ من نصوص قصيدة النثر اليوم يشابه الشعر، مثلما كان يشابه الشعر من قبل الكثير من الكلام العمودي الذي لا علاقة له بالشعر مثل ألفية ابن مالك الموزونة المقفاة بإحكام

 

إن الصخب الدائر حول موضوع قصيدة النثر لا يعدو، في تقديرنا، أن يكون استسهالاً للأمرين كليهما: القصيدة والعمل النقدي الدائر في فلكها. وفي الحقيقة ففي غالبية هذا الكلام، ثمة هروب من تحديد الصعب أي تحديد (مفهوم الشعر) نفسه و(القصيدة). بمعنى آخر فأن تقاليد الثقافة العربية الراهنة تجد نفسها اللحظة في التباس مطلق، إذ لم نقل في غياب مطبق، لمفهومة من هذا القبيل

 

هنا يقع التناقض التالي: ففي حين يوجد، حسب ما يخفي الكلام الدائر والتنظيرات السائدة، أكثر من مفهومة وأكثر من تحديد للشعر، فإن الكلام ذاك ذاته يبدو من جهة أخرى وكأنه متفق على وجود مفهومة ومعنى محددين للحقل الذي يعمل ويطلع الشعر فيه

 

حدث أن ساءلنا بعض أصدقائنا ممن قرأنا لهم تعقيبات وملاحظات، غالبيتها حماسية ومطلقة، عن المقصود تحديداً بتلك المفردة وذاك المصطلح المستخدمين، بدءً من مفردة (القصيدة)، واكتشفنا بأنهم يستخدمونها بمعنى لا نتفق عليه جميعاً بالضرورة، أو أنهم لم يحروا جواباً عن بعض المشكلات الجذرية في استخدام (المصطلح)

 

يبدو أننا بحاجة إلى تأصيل جذري للمعاني الأدبية بكتابة جديدة لقاموس أدبي وبلاغي محدد على طريقة أسلافنا

العودة الى صفحة المقالات