منفى الثقافة العربية في نهاية القرن العشرين

(جنيف مثالاً على منفى ثقافي ذي خصوصية)

Slaibi@perso.ch

 

من الواضح اليوم ان الثقافة العربية تعيش قطيعتين، الأولى داخلية تتجلى بإغترابها عن المتلقين، بغياب الحماس الضروري بين الفاعلين الثقافيين والمنفعلين المؤثرين، والثانية خارجية تتجلى بابتعادها الجغرافي عن السياقات التي خلقتها وأثرت فيها وكونتها.

ثمة طرازان من المدن التي هاجرت اليها الثقافة العربية : تلك المدن العريقة ثقافياً، المكتضة والمحتشدة بالنشاطات من كل نوع مثل باريس ولندن ومدريد، وتلك المدن، بل البلدان، الأضعف من الناحية الثقافية مثل البلدان الإسكندنافية، أو تلك البلدان الأضعف في علاقتها واتصالاتها مع العالم العربي بشكل أخص مثل إيطاليا، والولايات المتحدة، وسويسرا. ان الفعل، المباشر والخفي، الذي يمارسه كل من الطرازين يمتلك نتائج حاسمة على العملية الثقافية في العالم العربي.

تبدو المسافة الإجبارية بين ما صار بقية من بقايا المثقف العربي في أوربا وبين الثقافات العربية المحلية السائدة سعادة للعقل. الصورة ليست مأساوية إجماليا ًالا بمعنى حدوث قطيعة بين العمل الثقافي والوسط الذي يُفترض ان يُؤثر فيه. لأن ثقافة مهاجرة تبدو وكأنها تعمل في وسط جديد غير مكترث بها الا قليلاً وبجهود جهيدة. لننجر التحدث عن شخوصنا ولنتحدث عن ظاهرة عامة تؤثر فينا يقيناً.

ونستطيع أن أخذ جنيف كمثال نموذجي على صيرورة المثقف العربي الملتبسة في مدينة أوربية قليلة الشأن الثقافي. فمن جهة يستطيع حجمها الصغير تقديمها بوصفها عينة تُلخِّص ما في المدن الكبرى من إشكالات. هذه الإشكالات تتجلى هنا بصورة أوضح مما هو الحال عليه في مدن مثل باريس ولندن حيث يمكن للحضور العددي والمؤسساتي العربي (وغير العربي المهتم بالعربي) إعطاء إنطباع من الحيوية ومن الإستمرارية الثقافية. هدا الإنطباع غير دقيق فيما يتعلق بجنيف بل خاطئ، بحيث ان ما يجري هنا هو عينه ما يجري هناك. هكدا سيُلاحظ المرء أمرين إثنين:

الأول يتعلق بما أود أن أسميه الثقافة المُسْتَوْعِبـَة والثاني بالثقافة المنفية. فيما يتعلق بالأول فان التقدم بخطى حثيثة نحو لغة الثقافة المُسْتوعِبة ومؤسساتها وشخوصها الرمزيين ومعارفها ومناهجها لم يمنع بل يشدد من العزلة الداخلية للمثقف العربي طالما ان فعله يتبقى فعلا فردياً، غير مستند على أرضية ثقافية عربية، وطالما انه ينحدر من ثقافة منكسرة. أن أي تأقلم في مثل هده الظروف سيقود المثقف بالضرورة الى الشعور بان جهده، مهما كان عالياً، سيظل محكوماً بالنظرة العامة المأخوذة عن ثقافة العرب اليوم. سيُفهم جهده من وجهة نظر الوسط المُسْتوعِب هذا وكأنه محض تحذلق وإدعاء طالما انه لا يتأتى عن إمتدادات معروفة ومعترف بها. وطالما انه يظل بغير مراجع معترف بها. إذا ما أضفنا الى ذلك غياب المرجعيات والجهل النسبي (أو الكلي) بالثقافة العربية ثم حضور عدد لا بأس به من المتعلمين وأنصاف المتعلمين المتقدمين الى هذه المؤسسات بصفتهم الأصوات الأبرز للعلم والمعرفة والإبداع العربيين، فاننا في إطار صورة لا نحسد عليها. بعض المؤسسات والأقسام الجامعية العربية في جنيف، وبسبب ذلك كله، هي أماكن لإنزواء المختصين المحليين المرعوبين الى درجة لا تُعقل من منافسة المثقفين العرب. هناك سعي محموم في أقسام اللغات الشرقية والإسلاميات في جامعة جنيف الى حذف وإقصاء أيما متخصص عربي جاد رغم العمر الطويل لهدا القسم والحضور العددي الكبير للجالية العربية في المدينة. تتمتع بعض الأسماء المختصة بـ (سلطة) من النوع الذي يصفه بورديو في كتاباته السوسيولوجية لكن ينقصها عمق وتنوع ورجوحية المختص الحقيقي. هده السلطة لا تقيم أي إعتبار للمعرفة. المثال الجامعي هو فحسب مثال يموضع مشكلة المثقف العربي بإطار ملموس. لأن مشكلة الإستيعاب والدخول، برضا، في ثقافة الاخر ينطرح في مناسبات متنوعة: انك لا تشاطر الثقافة المندمج فيها حتى المناسبات والحوارات والأمسيات التي تخصك انت نفسك. انت مُسْتبعد مرتين: مرة مقموعاً بعنف من طرف أمتك العربية ومرة من طرف الآخر ولكن بعذوبة ومرونة. ان محاولات البعض للكتابة باللغة الفرنسية تريد جاهدة ان تلغي مبررات (الآخر) بإلغائك ولكنها تسبب إحراجاً شديداً له. انها تبدو خياراً صعباً لا مفر منه من أجل إدغام الآخر نفسه في ثقافتنا طالما انه لا يستطيع ان يفعل الا مزوداً بالأنفة وبتلك السلطة الموصوفة. ان صغر حجم المدينة وكثرة الطامحين العرب للدخول في الوسط السويسري يقود الى حرب شعواء من الأطراف كلها على الأطراف كلها. ان الكعكة لا تكفي للجميع، لذا يفضل السويسرون مواطنيهم رغم عدم إمتلاك بعضهم الإمكانية المعرفية الحقيقية مسببين بذلك ضرراً بالغاً بثقافتنا.

 

أما لجهة الثقافة المنفية نفسها وعلاقات مثقفيها بأنفسهم، فاننا أمام إنشطارات من كل نوع. ثمة تمترسات حول الذات المأخوذة بفكرة الحرية والتفكير الحر لكن العاملة في شروط ضيقة. انها تحسب نفسها، بسبب الغياب الموضوعي لضرورات وحاجات واسئلة الثقافة العربية هنا، وهي تتعالى على الثقافة العربية وتتجاوزها. ان غياب أية مؤسسة ثقافية عربية جادة سيسمح بظهور انشطة ونواد وجمعيات (أكثر من 10 في جنيف لوحدها، في سويسرا) كل واحدة منها تدير ظهرها وتنفي، تقريباً، ما عداها. تنفي المؤسسات السويسرية العرب من حقل عملها (أو تموضعهم بشروط محددة) بينما تنفي المنتديات العربية بعضها البعض ضمن اعتبارات اعتباطية. ما ينقص المدينة هو المراجع الثقافية ذات التاريخ ومن ثم الإيمان بالثقافة. البعض يستنكر ويستهجن وينتقد، خبط عشواء، اي نشاط للمثقفين العرب على اساس تعودهم على الإنفصال عن الهموم العميقة للكائن العربي، وتسببهم، حسب البعض الآخر، بجميع الكوارث الوطنية والتاريخية. تشهد مكتبات المدينة على الضعف المأساوي لمستوى القراءة. ان العرب لا يقرأون هنا الا نادراً ولكنهم يطرحون أنفسهم كعارفين من طراز رفيع لجميع المشكلات التاريخية والجغرافية والشعرية. أن اية إمكانية جادة للحوار تنتفي في هذه الشروط.

 

الطائر المغترب في عشه ينظر الى الفجر حزيناً

العودة الى صفحة المقالات

Retour à la page d'accueil