شـاكر لعـيـبـي

 

 

أدونيس والأفكار المسبقة عن العنف في العراق

 

 

 

علينا أن نقول الآن أن ثلة قليلة من المثقفين العرب لم يتورطوا في الانسياق وراء خديعة النظام المزدوجة. الغالبية المطلقة من المثقفين والإعلاميين العرب كانت تتماهي مع خطاب فلكلوري شعبي لا علاقة له بالوعي الرصين. وعيٌ باطلٌ معمَّمٌ يبحث عن بطلٍ متوهَّم من طراز صدام حسين.

البعض القليل جداً منهم فحسب وانطلاقا من وعي منشق عن الهيجان الشعبي العارم الذي يتوهم الأوهام، كانوا يتخذون موقفاً لا يُضاهي. وهنا درس يمكن تعميمه والاستفادة منه بصدد وضعية الثقافة العربية ومَنْ يسود اليوم وما يسود فيها.

موقف تلك القلة لا يُقارن إلا بحرقة الوعي العميق المكتوي بنيران الحقيقة البسيطة المدوية في عراق صدام حسين. سأسمح لنفسي في هذه اللحظة الخاصة أن أكرر أن قلة من المثقفين العرب الكثر يستطيع أن يضاهي نفسه علي سبيل المثال لا الحصر بمواقف عباس بيضون وإلياس خوري، ثم نوري الجراح في أحيان صحو كثيرة إزاء العراق. لقد كتبوا بجرأة ويأس وحمية وحللوا خطابات وروايات عصابة القتلة في البلد وطالبوا برحيلهم. فعلوا ذلك بوقت مبكر وليس بعد تهادي المركب الظالم.

من بين هؤلاء الأدباء كذلك، ولكن ضمن طبقة أخري، الشاعر أدونيس الذي لم يثق بشكل مستمر بترغيبات وطروحات ودعوات ونداءات النظام منذ أكثر من ثلاثين سنة. لقد كان من بين مفتحي العيون العرب الذين لم يضعوا العربة قبل الحصان ورأوا أن من قاد البلد إلي ما قاده إليه هو رئيسه في المقام الأول.

لو أنني تطرفت قليلا في القول لقلت إن مقالات بيضون كانت علي الدوام أكثر رصانة وهدوءاً من مقالاتنا المتوترة نحن العراقيين. لقد كنا نصرخ بصوت مبحوح مشروخ يائس. صوتنا لم يكن يُسمع بشكل واضح بسبب كثافته اللاغنائية ونبرته البكائية والكارثية والقيامية بينما كان بيضون وخوري قادرين علي قول جرح العراق بطريقة حميمة ناظرين في مرآة الآخر. علاقتهما بالآخر تقول لنا بأنهم كانوا ضميراً نادراً ومستتراً للوعي العربي المأمول.

في الوعي العربي المقموع طويلاً والمسكوت عن هفواته، ثمة قناعات من طراز ثابت رفيع، من بينها تلك التي تقول أن هناك مصادر تاريخية وجينية تقريباً تبرهن علي (دموية) و(قسوة) العراقيين. لقد نسبتْ فظاظة الحجاج إلي العراق وهو القادم حاكماً عليه من الشام بعد اليمامة، ولقد جري تأويل المعارضات العراقية المتوالية لطغاة الأمويين والعباسيين والملكيين والصدّاميين، من أجل الحق والعدالة والمساواة، بصفتها تطرفا وعنفاً وانشقاقاً وغلواً عقائدياً عراقياً، وهو تأويل ساذج يستجيب لدعايات ولاة الأمر السلطويين لا أكثر ولا أقل. لقد جرت نسبة الغلو في العقائد إلي العراق بشكل أخص. ولقد جري النظر إلي الشيعة بصفتها أمة في داخل الأمة، مستثناة إلي يومنا هذا من التدريس في بعض معاهد تعليم الفقه الإسلامي في العالم العربي.

من الوجهة التاريخية جري بالمقابل تناسي عصور العراق الذهبية، العراق ذي الروح الَمرِح، الذي ربما علّم العرب فنون الكتابة الطريفة والساخرة علي يد الجاحظ، وتناسي الكثير من المثقفين العرب أدب الدعابة والطرافة والفتوة والخلاعة الذي تنطوي عليه الكثير من مصنفات الأدب التراثي العربي المكتوب في العراق منذ بابل وحتي سقوط بغداد العباسية. لنحرق إذن كتاب الأغاني التي تعلمنا عليها. ولننس شعر الإماء والجواري.

لن نتكلم عن روح التسامح النادر في هذه البقعة الرافدينية التي سمحت بتعايش فذ، ولو بصعوبات، بين الصابئة والآثوريين والكرد والأعراب والأرمن والتركمان والعرب.

سأسمح لنفسي باستعادة فقرة طويلة من نصٍ للشاعر أدونيس منشور مؤخراً في جريدة (الحياة) يستعيد فكرة الغلو والقسوة والقتل لدي العراقيين:

(لقد علّمتنا السلطة في العراق، منذ 1958 ألا ننسي طغيانَ الحجاج، والطغيان العباسيّ، من حيث أن طغيانها كان امتداداً لهما، إن لم يكن أكثر هَوْلاً.

وهذا التعلّم أوصلَ بعضنا، وأنا منهم، إلي الظنّ ان الشعب العراقي غير مُهيّأ لأن يحكم نفسه إلاّ بالعنف والقتْل. إلي الظنّ أن في كلّ عراقي يعيش شخصان: حرٌ وطاغية، الحسين والحجّاج. معاً، في الآن ذاته.

إلي الظن أنّ الماضي يتكرّر حقاً: تمتلئ شوارع المدن العراقية بالقتلي، بتهمة أنهم (أعداء الحرّية)، كما كانت تمتلئ في الماضي، بحجة أنهم (أعداء الله). إلي الظن ان دوّامة العنف ستطرد: عنف الحاكم وعنف المحكوم معاً.

خصوصاً أن صورة هذا العُنف الدموي اللاإنسانيّ، في أحداث 1958 العراقية، وما بعدها حتي سقوط النظام الصدّامي، لا تزال ماثلة، وحيّة. تلك الصورة البشعة حتي حدود اللامعقول: باسم الحرّية، والتقدّم، والعدالة... إلخ، يُسحل الإنسان في الشارع، ويشوّه جسمه، وتُقطع أعضاؤه.والكارثة الكبري الثقافية ــ الأخلاقية هي أن (ممثّلي) الشعب العراقي كلهم، (قوميين) و(شيوعيين)، شاركوا في رسم هذه الصورة. ولم يحدث أي احتجاج علي هذا الفعل، أو أيّ اعتذار، أو أي اعترافٍ بالخطأ. علي العكس، واصل بعضهم الزّهْوَ والفخرَ بهذه الصورة.كانوا جميعاً يقتلون شعبهم، حُباً وتكريماً لهذا الشعب!). انتهي قول أدونيس حرفياً.

أقول قرأتُ هذا النص ملياً وأعدتُ قراءته، ولم أثق بقراءتي بسبب براعة أدونيس في إدخال الفعل (يظن). وقد أقرأتُ النص لصديقين شاعرين، أصرّ أحدهما أن أدونيس لا يتكلم سوي عن شبهة القسوة عند العراقيين ولا يؤيدها بينما جزم الآخر أنه يتماهي مع هذه الشبهة ويؤكدها، وهو ما أذهب إليه. لو صحتْ قراءتي فإنني أشعر بالضيق من فكرته الأساسية، إذا لم أقل الخجل، وأتذكر بالمقابل ما شاهدناه من علي الشاشات بعد سقوط وثن الطاغية لكن من دون موعظة تذكر:

إن تظاهرات الشيعة في كربلاء وخطب السنة في مرقد الأمام أبي حنيفة في بغداد وتصريحات ومواقف الأكراد وصلوات المسيحيين في الكنائس تبرهن العكس من ذلك تماماً، ناهيك بمواقف الآثوريين والكلدان والتركمان المسالمة للغاية.

نص أدونيس هذا أوصلَ بعضنا، وأنا منهم، إلي الظنّ أن أدونيس يخطئ مرتين: مرة عندما يستعيد الحكي الشائع السائد عند العوام عن قسوة العراقيين بصفته بداهة، ومرة عندما يستبق الأحداث العراقية التي لا تدعم تلك السذاجة السائدة في الوعي العربي المثقف.

وبالطبع فإن هناك خصوصيات محلية لا شك فيها لا تعود إلي أيٍّ من تعميمات الثقافة العربية المستعجلة التي يغترف المغترفون منها.

إن رهافة الوعي في العراق وشفافيته وتوتّر الضمير وصدق الخطاب وحرارته، التي تقود كلها إلي اصطدامات من كل نوع، قد فُسرتْ علي الدوام بصفتها عنفاًَ، ولم تُفسَّر، ويا للغرابة، بصفتها نقيضاً لمداهنات خطاب المنتفع من الوضع أو التاجر الساعي إلي الربح ولم تُفهم كذلك بصفتها نقيضاً لوعيٍ مسترخٍ يفضّل مستقبله الشخصي علي مستقبل ثقافته الوطنية وهو يقفز مثل البهلوان علي التناقضات ويتناسي البداهة والضرورة أو يلعب ببراعة عليهما.

ربما يكون الفارق بين وضعية العراق وجيرانه العرب أن العراقيين قد عارضوا بعنف ولم يداهنوا لأي سبب من الأسباب ممارسي العنف عليهم. وهو أمر رسَّخ الصورة الفلكلورية عن العنف في العراق التي أظن أن نص الشاعر أدونيس يطلع منها.

مفهومة (العنف) نفسها تحتاج إلي تحديد في الخطاب العربي السائد، مثل كل شيء.

إذا ما استذكرتْ كلمة أستاذنا الشاعر الكبير أدونيس الغوغاءَ النهَّابين بعد سقوط الفاشي صدام حسين (والغوغاء كلمة أطلقها صدام حسين علي مطلقي النار علي صوره وأوثانه في انتفاضة سنة 1991)، فإن الأيام ستعلمنا أن من أحرق المكتبات ونهب المتحف الوطني هم زمرته وليس أحد سواها التي يري القاصي والداني أن الغالبية المطلقة من العراقيين براء من عنفها وحرائقها.

الغالبية المطلقة من العراقيين كانت ضدها، والغالبية المطلقة تنتمي لفكر لمعتزلة وروح الحلاج والجاحظ.